تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
سبيله » . ولو كان النفي واجبا لنفاه ، فإن قيل إنما لم ينفه لأنه كان ضعيفا عاجزا عن الحركة ، قلنا كان ينبغي أن يكتري له دابة من بيت المال ينفى عليها . فإن قيل كان عسى يضعف عن الركوب ، قلنا من قدر على الزنا كيف لا يقدر على الاستمساك ! وثامنها : أن التغريب نظير القتل لقوله تعالى :
أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ
فنزلهما منزلة واحدة ، فإذا لم يشرع القتل في زنا البكر وجب أن لا يشرع أيضا نظيره وهو التغريب . والجواب : عن الأول أنه ليس في كلام اللَّه تعالى إلا إدخال حرف الفاء على الأمر بالجلد ، فأما أن الذي دخل عليه هذا الحرف فإنه يسمى جزاء ، فليس هذا من كلام اللَّه ولا من كلام رسوله ، بل هو قول بعض الأدباء فلا يكون حجة . أما قوله ثانيا : لو كان النفي مشروعا لما كان الجلد كل الحد ، فنقول لا نزاع في أنه زال أمره لأن إثبات كل شيء لا أقل من أن يقتضي زوال عدمه الذي كان ، إلا أن الزائل هاهنا ليس حكما شرعيا ، بل الزائل محض البراءة الأصلية ، ومثل هذه الإزالة لا يمتنع إثباتها بخبر الواحد ، وإنما قلنا إن الزائل محض العدم الأصلي ، وذلك لأن إيجاب الجلد مفهوم مشترك بين إيجاب التغريب وبين إيجابه مع نفي التغريب . والقدر المشترك بين القسمين لا إشعار له بواحد من القسمين . فإذن إيجاب الجلد لا إشعار فيه البتة لا بإيجاب التغريب ولا بعدم إيجابه ، إلا أن نفي التغريب كان معلوما بالعقل نظرا إلى البراءة الأصلية ، فإذا جاء خبر الواحد ودل على وجوب التغريب ، فما أزال البتة شيئا من مدلولات اللفظ الدال على وجوب الجلد بل أزال البراءة الأصلية ، فأما كون الجلد وحده مجزيا ، وكونه وحده كمال الحد . وتعلق رد الشهادة عليه ، فكل ذلك تابع لنفي وجوب الزيادة . فلما كان ذلك النفي معلوما بالعقل جاز قبول خبر الواحد فيه ، كما أن الفروض لو كانت خمسا لتوقف على أدائها الخروج عن عهدة التكليف ، وقبول الشهادة / ولو زيد فيها شيء آخر لتوقف الخروج عن العهدة وقبول الشهادة على أداء تلك الزيادة ، مع أنه يجوز إثباته بخبر الواحد والقياس فكذا هاهنا . أما لو قال اللَّه تعالى الجلد كمال الحد وعلمنا أنها وحدها متعلق رد الشهادة ، فلا يقبل هاهنا في إثبات الزيادة خبر الواحد لأن نفي وجوب الزيادة ثبت بدليل شرعي متواتر والجواب : عن الثاني أنه لو صح ما ذكره لوجب في كل ما خصص آية عامة أن يبلغ في الاشتهار مبلغ تلك الآية ، ومعلوم أنه ليس كذلك والجواب : عن الثالث أن قوله : « ثم بيعوها » لا يفيد التعقيب فلعلها تنفى ثم بعد النفي تباع والجواب : عن الرابع أنه معارض بما روى الترمذي في جامعه أنه عليه السلام جلد وغرب ، وأن أبا بكر جلد وغرب والجواب : عن الخامس أن للشافعي رحمه اللَّه في تغريب العبد قولين : أحدهما : لا يغرب لأنه عليه السلام قال : « إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد » ولم يأمر بالتغريب ، ولأن التغريب للمعرة ولا معرة على العبد فيه ، لأنه ينقل من يد إلى يد ، ولأن منافعه للسيد ففي نفيه إضرار بالسيد والثاني : وهو الأصح أنه يغرب لقوله تعالى :
فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ
[ النساء : 25 ] ولا ينظر إلى ضرر المولى كما يقتل العبد بسبب الردة ويجلد العبد في الزنا والقذف ، وإن تضرر به المولى فعلى هذا كم يغرب فيه قولان : أحدهما : يغرب نصف سنة لأنه يقبل التنصيف كما يجلد نصف حد الأحرار والثاني : يغرب سنة لأن التغريب المقصود منه الإيحاش وذلك معنى يرجع إلى الطبع فيستوي فيه الحر والعبد كمدة الإيلاء أو العنة والجواب : عن السادس أن المرأة لا تغرب وحدها بل مع محرم ، فإن لم يتبرع المحرم بالخروج معها أعطى أجرته من بيت