تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
فمحدثه إما العبد أو اللَّه تعالى ؟ فإن كان هو العبد فذلك باطل لوجوه : أحدها : أن قدرة العبد صالحة للفعل والترك ، فإن توقف صدور تلك الإرادة عنها إلى مرجح آخر ، عاد الكلام فيه ولزم التسلسل ، وإن لم يتوقف على المرجح فقد جوزت رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ، وذلك يسد باب إثبات الصانع وثانيها : أن العبد لا يعلم كمية تلك الأفعال ولا كيفيتها ، والجاهل بالشيء لا يكون محدثا له ، وإلا لبطلت دلالة الإحكام والإتقان على العلم والثاني : أن أحدا في الدنيا لا يرضى بأن يختار الجهل ، بل لا يقصد إلا تحصيل العلم ، فالكافر ما قصد إلا تحصيل العلم ، فإن كان الموجد لفعله هو فوجب أن لا يحصل إلا ما قصد إيقاعه ، لكنه لم يقصد إلا العلم فكيف حصل الجهل ؟ فثبت أن الموجد للدواعي والبواعث هو اللَّه تعالى ، ثم إن الداعية إن كانت سائقة إلى الخير كانت سعادة ، وإن كانت سائقة إلى الشر كانت شقاوة الوجه الثاني : لهم في الجواب قولهم :
وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ
وهذا الضلال الذي جعلوه كالعلة في إقدامهم على التكذيب إن كان هو نفس ذلك التكذيب لزم تعليل الشيء بنفسه ، ولما بطل ذلك لم يبق إلا أن يكون ذلك الضلال عبارة عن شيء آخر ترتب عليه فعلهم وما ذاك إلا خلق الداعي إلى الضلال ، ثم إن القوم لما أوردوا هذين / العذرين ، قال لهم سبحانه :
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
وهذا هو صريح قولنا في أن المناظرة مع اللَّه تعالى غير جائزة ، بل لا يسأل عما يفعل . قال القاضي في قوله :
رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا
دلالة على أنه لا عذر لهم إلا الاعتراف ، فلو كان كفرهم من خلقه تعالى وبإرادته وعلموا ذلك لكانوا بأن يذكروا ذلك أجدر وإلى العذر أقرب ، فنقول قد بينا أن الذي ذكروه ليس إلا ذلك ولكنهم مقرون أن لا عذر لهم فلا جرم ، قال لهم :
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
. أما قوله :
رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ
فالمعنى : أخرجنا من هذه الدار إلى دار الدنيا ، فإن عدنا إلى الأعمال السيئة فإنا ظالمون ، فإن قيل كيف يجوز أن يطلبوا ذلك وقد علموا أن عقابهم دائم ؟ قلنا يجوز أن يلحقهم السهو عن ذلك في أحوال شدة العذاب فيسألون الرجعة . ويحتمل أن يكون مع علمهم بذلك يسألون ذلك على وجه الغوث والاسترواح . أما قوله :
اخْسَؤُا فِيها
فالمعنى ذلوا فيها وانزجروا كما يزجر الكلاب إذا زجرت ، يقال : خسأ الكلب وخسأ بنفسه . أما قوله :
وَلا تُكَلِّمُونِ
فليس هذا نهيا لأنه لا تكليف في الآخرة ، بل المراد لا تكلمون في رفع العذاب فإنه لا يرفع ولا يخفف ، قيل هو آخر كلام يتكلمون به ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير ، والعواء كعواء الكلاب ، لا يفهمون ولا يفهمون . وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما : أن لهم ست دعوات ، إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة
رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا
[ السجدة : 12 ] فيجابون
حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي
[ السجدة : 13 ] فينادون ألف سنة ثانية
رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
[ غافر : 11 ] فيجابون
ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ
[ غافر : 12 ] فينادون ألف ثالثة
يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ
[ الزخرف : 77 ] فيجابون
إِنَّكُمْ ماكِثُونَ
[ الزخرف : 77 ] فينادون ألفا رابعة
رَبَّنا أَخْرِجْنا
فيجابون
أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ
[ إبراهيم : 44 ] فينادون ألفا خامسة
أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً
[ فاطر : 37 ] فيجابون
أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ
[ فاطر : 37 ] فينادون ألفا سادسة
رَبِّ ارْجِعُونِ
[ المؤمنون : 99 ] فيجابون
اخْسَؤُا فِيها
ثم بين سبحانه وتعالى ، أن فزعهم بأمر يتصل بالمؤمنين ، وهو قوله :
إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ *