تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين » فدل على أن الأولى ترك الدعاء والآيات التي ذكرتموها تقتضي وجوب الدعاء . وسابعها : أن إبراهيم عليه السلام لما ترك الدعاء واكتفى بقوله : « حسبي من سؤالي علمه بحالي » استحق المدح العظيم فدل على أن الأولى ترك الدعاء . والجواب عن الأول أنه ليس الغرض من الدعاء الإعلام بل هو نوع تضرع كسائر التضرعات . وعن الثاني : أنه يجري مجرى أن نقول للجائع والعطشان إن كان الشبع معلوم الوقوع فلا حاجة إلى الأكل والشرب وإن كان معلوم اللاوقوع فلا فائدة فيه . وعن الثالث : أن الصيغة وإن كانت صيغة الأمر إلا أن صورة التضرع والخشوع تصرفه عن ذلك . وعن الرابع : يجوز أن يصير مصلحة بشرط سبق الدعاء . وعن الخامس : أنه إذا دعا إظهارا للتضرع ثم رضي بما قدره اللَّه تعالى فذاك أعظم المقامات وهو الجواب عن البقية إذا ثبت أنه من العبادات ، ثم إنه تعالى أمره بالعبادة وبالصلاة أمرا ورد مجملا لا جرم شرع في أجل العبادات وهو الدعاء . الوجه الرابع : في فضل الدعاء أنه سبحانه لم يقتصر في بيان فضل الدعاء على الأمر به بل بين في آية أخرى أنه يغضب إذا لم يسأل فقال :
فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ / وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ الأنعام : 43 ] وقال عليه السلام : « لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت » ولكن يجزم فيقول : اللهم اغفر لي فلهذا السر جزم موسى عليه السلام بالدعاء وقال رب اشرح لي صدري . الوجه الخامس : في فضل الدعاء قوله تعالى :
وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
[ غافر : 60 ] وفيه كرامة عظيمة لأمتنا لأن بني إسرائيل فضلهم اللَّه تفضيلا عظيما فقال في حقهم :
وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ *
[ البقرة : 47 ] وقال أيضا :
وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ
[ المائدة : 20 ] ثم مع هذه الدرجة العظيمة قالوا لموسى عليه السلام :
ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ *
[ البقرة : 68 ] وأن الحواريين مع جلالتهم في قولهم :
نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ *
[ آل عمران : 52 ] سألوا عيسى عليه السلام أن يسأل لهم مائدة تنزل من السماء ثم إنه سبحانه وتعالى رفع هذه الواسطة في أمتنا فقال مخاطبا لهم من غير واسطة :
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
وقال :
وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ
[ النساء : 32 ] فلهذا السبب لما حصلت هذه الفضيلة لهذه الأمة وكان موسى عليه السلام قد عرفها لا جرم فقال : « اللهم اجعلني من أمة محمد صلى اللَّه عليه وسلم » فلا جرم رفع يديه ابتداء فقال :
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
واعلم أنه تعالى قال :
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
[ البقرة : 186 ] ثم إنه تعالى جعل العباد على سبعة أقسام : أحدها : عبد العصمة :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ *
[ الحجر : 42 ] وموسى عليه السلام كان مخصوصا بمزيد العصمة :
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي
[ طه : 41 ] فلا جرم طلب زوائد العصمة فقال :
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
. وثانيها : عبد الصفوة :
وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى
[ النمل : 59 ] وموسى عليه السلام كان مخصوصا بمزيد الصفوة :
يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي
[ الأعراف : 144 ] فلا جرم أراد مزيد الصفوة فقال :
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
. وثالثها : عبد البشارة :
فَبَشِّرْ عِبادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
[ الزمر : 17 ، 18 ] وكان موسى عليه السلام مخصوصا بذلك :
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى
[ طه : 13 ] فأراد مزيد البشارة فقال :
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
. ورابعها : عبد الكرامة :
يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ
[ الزخرف : 68 ] وموسى عليه السلام كان مخصوصا بذلك :
لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما
[ طه : 46 ] فأراد الزيادة عليها فقال :
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
. وخامسها : عبد المغفرة :
نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
[ الحجر : 49 ] ، وكان موسى عليه السلام مخصوصا بذلك : رب اغفر
لِي فَغَفَرَ لَهُ
[ ص : 35 ] فأراد الزيادة فقال :
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
.
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 35 | فخر الدين الرازي