تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
طعاما أو ثوبا أو دفع عنه بلاء ، فلو لا أنه سبحانه خلق المطعوم والملبوس والأدوية والأغذية وإلا لما قدر أحد على إعطاء ذلك الشيء ، ثم بعد وصول تلك العطية إليه ، فلو لا أنه سبحانه جعله سببا للراحة لما حصل النفع بذلك ، فإذا رحمة العباد مسبوقة برحمة اللَّه تعالى وملحوقة برحمته بل رحمتهم فيما بين الطرفين كالقطرة في البحر ، فوجب أن يكون تعالى هو أرحم الراحمين . وثالثها : أن اللَّه تعالى لو لم يخلق في قلب العبد تلك الدواعي والإرادات لاستحال صدور ذلك الفعل عنه ، فكان الراحم هو الحق سبحانه ، من حيث إنه هو الذي أنشأ تلك الداعية ، فثبت أنه أرحم الراحمين فإن قيل كيف يكون أرحم الراحمين مع أنه سبحانه ملأ الدنيا من الآفات والأسقام والأمراض والآلام وسلط البعض على البعض بالذبح والكسر والإيذاء ، وكان قادرا على أن يغني كل واحد عن إيلام الآخر وإيذائه ؟ والجواب : أن كونه سبحانه ضارا لا ينافي كونه نافعا ، بل هو الضار النافع فإضراره ليس لدفع مشقة وإنفاعه ليس لجلب منفعة ، بل لا يسأل عما يفعل . أما قوله تعالى :
فَاسْتَجَبْنا لَهُ
فإنه يدل على أنه دعا ربه ، لكن هذا الدعاء قد يجوز أن يكون واقعا منه على سبيل التعريض ، كما يقال إن رأيت أو أردت أو أحببت فافعل كذا . ويجوز أن يكون على سبيل التصريح وإن كان الأليق بالأدب وبدلالة الآية هو الأول ، ثم إنه سبحانه بين أن كشف ما به من ضر وذلك يقتضي إعادته إلى ما كان في بدنه وأحواله ، وبين اللَّه تعالى أنه آتاه أهله ويدخل / فيه من ينسب إليه من زوجة وولد وغيرهما ثم فيه قولان : أحدهما : وهو قول ابن مسعود وابن عباس وقتادة ومقاتل والكلبي وكعب رضي اللَّه عنهم أن اللَّه تعالى أحيا له أهله يعني أولاده بأعيانهم . والثاني : روى الليث رضي اللَّه عنه ، قال : أرسل مجاهد إلى عكرمة وسأله عن الآية فقال : قيل له إن أهلك لك في الآخرة فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا ، وإن شئت كانوا لك في الآخرة وآتيناك مثلهم في الدنيا . فقال : يكونون لي في الآخرة وأوتي مثلهم في الدنيا . والقول الأول أولى لأن قوله :
وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ
يدل بظاهره على أنه تعالى أعادهم في الدنيا وأعطاه معهم مثلهم أيضا . وأما قوله تعالى :
وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ
ففيه دلالة على أنه تعالى فعل ذلك لكي يتفكر فيه فيكون داعية للعابدين في الصبر والاحتساب ، وإنما خص العابدين بالذكر [ ى ] لأنهم يختصون بالانتفاع بذلك .

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 85 إلى 86 ]

وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ ( 85 ) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 86 )

القصة السابعة

اعلم أنه تعالى لما ذكر صبر أيوب عليه السلام وانقطاعه إليه أتبعه بذكر هؤلاء فإنهم كانوا أيضا من الصابرين على الشدائد والمحن والعبادة ، أما إسماعيل عليه السلام فلأنه صبر على الانقياد للذبح ، وصبر على المقام ببلد لا زرع فيه ولا ضرع ولا بناء ، وصبر في بناء البيت ، فلا جرم أكرمه اللَّه تعالى وأخرج صلبه خاتم النبيين ، وأما إدريس عليه السلام فقد تقدمت قصته في سورة مريم عليها السلام ، قال ابن عمر رضي اللَّه عنهما . « بعث إلى قومه داعيا لهم إلى اللَّه تعالى فأبوا فأهلكهم اللَّه تعالى ورفع إدريس إلى السماء الرابعة » وأما ذوا الكفل ففيه مسائل : المسألة الأولى : فيها بحثان :
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 176 | فخر الدين الرازي