تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
بالغوص في المياه والنار تنطفئ بالماء وهم ما كان يضرهم ذلك ، وذلك يدل على قدرته على إظهار الضد من الضد .

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 83 إلى 84 ]

وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 83 ) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ ( 84 )

القصة السادسة ، قصة أيوب عليه السلام

اعلم أن في أمر أيوب عليه السلام وما ذكره اللَّه تعالى من شأنه هاهنا وفي غيره من القرآن من العبر والدلائل ما ليس في غيره ، لأنه تعالى مع عظيم فضله أنزل به من المرض العظيم ما أنزله مما كان عبرة له ولغيره ولسائر من سمع بذلك وتعريفا لهم أن الدنيا مزرعة الآخرة ، وأن الواجب على المرء أن يصبر على ما يناله من البلاء فيها ، ويجتهد في القيام بحق اللَّه تعالى ويصبر على حالتي الضراء والسراء وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال وهب بن منبه : كان أيوب عليه السلام رجلا من الروم وهو أيوب بن أنوص وكان من ولد عيص بن إسحاق وكانت أمه من ولد لوط ، وكان اللَّه تعالى قد اصطفاه وجعله نبيا ، وكان مع ذلك قد أعطاه من الدنيا حظا وافرا من النعم والدواب والبساتين وأعطاه أهلا وولدا من رجال ونساء ، وكان رحيما بالمساكين ، وكان يكفل الأيتام والأرامل ويكرم / الضيف وكان معه ثلاثة نفر قد آمنوا به وعرفوا فضله ، قال وهب : وإن لجبريل عليه السلام بين يدي اللَّه تعالى مقاما ليس لأحد من الملائكة مثله في القربة والفضيلة ، وهو الذي يتلقى الكلام فإذا ذكر اللَّه عبدا بخير تلقاه جبريل عليه السلام ثم تلقاه ميكائيل عليه السلام ثم من حوله من الملائكة المقربين ، فإذا شاع ذلك فهم يصلون عليه . ثم صلت ملائكة السماوات ثم ملائكة الأرض . وكان إبليس لم يحجب عن شيء من السماوات ، وكان يقف فيهن حيثما أراد ، ومن هناك وصل إلى آدم عليه السلام حتى أخرجه من الجنة . ولم يزل على ذلك حتى رفع عيسى عليه السلام فحجب عن أربع . فكان يصعد بعد ذلك إلى ثلاث إلى زمان نبينا محمد صلى اللَّه عليه وسلم فحجب عند ذلك عن جميع السماوات إلا من استرق السمع ، قال : فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب فأدركه الحسد ، فصعد سريعا حتى وقف من السماء موقفا كان يقفه ، فقال : يا رب إنك أنعمت على عبدك أيوب فشكرك وعافيته فحمدك ثم لم تجربه بشدة ولا بلاء وأنا لك زعيم لئن ضربته بالبلاء ليكفرن بك ، فقال اللَّه تعالى : انطلق فقد سلطتك على ماله . فانقض الملعون حتى وقع إلى الأرض وجمع عفاريت الشياطين ، وقال لهم : ماذا عندكم من القوة فإني سلطت على مال أيوب ؟ قال عفريت : أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارا من نار فأحرقت كل شيء آتى عليه ، فقال إبليس : فأت الإبل ورعاءها فذهب ولم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار لا يدنو منها شيء إلا احترق فلم يزل يحرقها ورعاءها حتى أتى على آخرها ، فذهب إبليس على شكل بعض أولئك الرعاة إلى أيوب فوجده قائما يصلي ، فلما فرغ من الصلاة قال : يا أيوب هل تدري ما صنع ربك الذي اخترته بإبلك ورعائها ؟ فقال أيوب : إنها ماله أعارنيه وهو أولى به إذا شاء نزعه . قال إبليس : فإن ربك أرسل عليها نارا من السماء فاحترقت ورعاؤها كلها وتركت الناس مبهوتين متعجبين منها . فمن قائل يقول : ما كان أيوب يعبد شيئا وما كان إلا في غرور ، ومن قائل يقول :
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 171 | فخر الدين الرازي