مقابلة الأصول بالأصول والزوائد بالزوائد ، فأما مقابلة الأصول بالزوائد فغير جائز لأنه يقتضي الحيف والجور ، ولعل منافع الغنم في تلك السنة كانت موازية لمنافع الكرم فحكم به ، كما قال الشافعي رضي اللَّه عنه : فيمن غصب عبدا فأبق من يده أنه يضمن القيمة لينتفع بها المغصوب منه بإزاء ما فوته الغاصب من منافع العبد فإذا ظهر ترادا .
السؤال الخامس : على تقدير أن ثبت قطعا أن تلك المخالفة كانت مبنية على الاجتهاد ، فهل تدل هذه القصة على أن المصيب واحد أو الكل مصيبون . الجواب : أما القائلون بأن المصيب واحد ففيهم من استدل بقوله تعالى :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ
قال ولو كان الكل مصيبا لم يكن لتخصيص / سليمان عليه السلام بهذا التفهيم فائدة ، وأما القائلون بأن الكل مصيبون ففيهم من استدل بقوله :
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
ولو كان المصيب واحدا ومخالفه مخطئا لما صح أن يقال :
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
واعلم أن الاستدلالين ضعيفان .
أما الأول : فلأن اللَّه تعالى لم يقل إنه فهمه الصواب فيحتمل أنه فهمه الناسخ ولم يفهم ذلك داود عليه السلام لأنه لم يبلغه وكل واحد منهما مصيب فيما حكم به ، على أن أكثر ما في الآية أنها دالة على أن داود وسليمان عليهما السلام ما كانا مصيبين وذلك لا يوجب أن يكون الأمر كذلك في شرعنا . وأما الثاني : فلأنه تعالى لم يقل إن كلا آتيناه حكما وعلما بما حكم به ، بل يجوز أن يكون آتيناه حكما وعلما بوجوه الاجتهاد وطرق الأحكام ، على أنه لا يلزم من كون كل مجتهد مصيبا في شرعهم أن يكون الأمر كذلك في شرعنا .
السؤال السادس : لو وقعت هذه الواقعة في شرعنا ما حكمها ؟ الجواب : قال الحسن البصري : هذه الآية محكمة ، والقضاة بذلك يقضون إلى يوم القيامة ، واعلم أن كثيرا من العلماء يزعمون أنه منسوخ بالإجماع ثم اختلفوا في حكمه فقال الشافعي رحمه اللَّه : إن كان ذلك بالنهار لا ضمان لأن لصاحب الماشية تسييب ماشيته بالنهار ، وحفظ الزرع بالنهار على صاحبه . وإن كان ليلا يلزمه الضمان لأن حفظها بالليل عليه . وقال أبو حنيفة رحمه اللَّه : لا ضمان عليه ليلا كان أو نهارا إذا لم يكن متعديا بالإرسال ،
لقوله صلى اللَّه عليه وسلم : « جرح العجماء جبار »
واحتج الشافعي رحمه اللَّه بما
روي عن البراء بن عازب أنه قال : « كانت ناقة ضارية فدخلت حائطا فأفسدته فذكروا ذلك لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها ، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها ، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل »
وهذا تمام القول في هذه الآية . ثم إن اللَّه تعالى ذكر بعد ذلك من النعم التي خص بها داود عليه أمرين : الأول : قوله تعالى :
وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في تفسير هذا التسبيح وجهان : أحدهما : أن الجبال كانت تسبح ثم ذكروا وجوها .
أحدها : قال مقاتل إذا ذكر داود عليه السلام ربه ذكرت الجبال والطير ربها معه . وثانيها : قال الكلبي : إذا سبح داود أجابته الجبال . وثالثها : قال سليمان بن حيان : كان داود عليه السلام إذا وجد فترة أمر اللَّه تعالى الجبال فسبحت فيزداد نشاطا واشتياقا . القول الثاني : وهو اختيار بعض أصحاب المعاني أنه يحتمل أن يكون تسبيح الجبال والطير بمثابة قوله :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
[ الإسراء : 44 ] وتخصيص داود عليه السلام بذلك إنما كان بسبب أنه عليه السلام كان يعرف ذلك ضرورة فيزداد يقينا وتعظيما ، والقول الأول أقرب لأنه لا ضرورة في صرف اللفظ عن ظاهره . وأما المعتزلة فقالوا : لو حصل الكلام من الجبل لحصل إما بفعله أو بفعل اللَّه تعالى فيه . والأول : محال لأن بنية الجبل لا تحتمل الحياة والعلم والقدرة ، وما يكون حيا / عالما قادرا