الصادر عنه إلى الصنم ، وإنما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة وتبكيتهم ، وهذا كما لو قال لك صاحبك ، وقد كتبت كتابا بخط رشيق ، وأنت شهير بحسن الخط ، أأنت كتبت هذا ؟ وصاحبك أمي لا يحسن الخط ولا يقدر إلا على خرمشة فاسدة ، فقلت له : بل كتبته أنت ، كأن قصدك بهذا الجواب تقرير ذلك مع الاستهزاء به لا نفيه عنك وإثباته للأمي أو المخرمش ، لأن إثباته والأمر دائر بينهما للعاجز منهما استهزاء به وإثبات للقادر . وثانيها : أن إبراهيم عليه السلام غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة مزبنة . وكان غيظه من كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له فأسند الفعل إليه لأنه هو السبب في استهانته بها وحطمه لها ، والفعل كما يسند إلى مباشره يسد إلى الحامل عليه . وثالثها : أن يكون حكاية لما يلزم على مذهبهم كأنه قال لهم : ما تنكرون أن يفعله كبيرهم ، فإن من حق من يعبد ويدعي إلها أن يقدر على هذا وأشد منه . وهذه الوجوه الثلاثة ذكرها صاحب « الكشاف » . ورابعها : أنه كناية عن غير مذكور ، أي فعله من فعله وكبيرهم هذا ابتداء الكلام ويروى عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله بل فعله ثم يبتدئ كبيرهم هذا .
وخامسها : أنه يجوز أن يكون فيه وقف عند قوله كبيرهم ثم يبتدئ فيقول هذا فاسألوهم ، والمعنى بل فعله كبيرهم وعنى نفسه لأن الإنسان أكبر من كل صنم . وسادسها : أن يكون في الكلام تقديم وتأخير كأنه قال : بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم فتكون إضافة الفعل إلى كبيرهم مشروطا بكونهم ناطقين فلما لم يكونوا ناطقين امتنع أن يكونوا فاعلين . وسابعها : قرأ محمد بن السميفع فعله كبيرهم أي فلعل الفاعل كبيرهم .
القول الثاني : وهو قول طائفة من أهل الحكايات ، أن ذلك كذب واحتجوا بما
روي عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلها في ذات اللَّه تعالى ، قوله :
إِنِّي سَقِيمٌ
وقوله :
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا
وقوله لسارة هي أختي »
و
في خبر آخر : « أن أهل الموقف إذا سألوا إبراهيم الشفاعة قال : إني كذبت ثلاث كذبات »
ثم قرروا قولهم من جهة العقل وقالوا : الكذب ليس قبيحا لذاته ، فإن النبي عليه السلام إذا هرب من ظالم واختفى في دار إنسان ، وجاء الظالم وسأل عن حاله فإنه يجب الكذب فيه ، وإذا كان كذلك فأي بعد في أن يأذن اللَّه تعالى في ذلك لمصلحة لا يعرفها إلا هو ، واعلم أن هذا القول مرغوب عنه . أما الخبر الأول وهو الذي رووه فلأن يضاف الكذب إلى رواته أولى من أن يضاف إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والدليل القاطع عليه أنه لو جاز أن يكذبوا لمصلحة ويأذن اللَّه تعالى فيه ، فلنجوز هذا / الاحتمال في كل ما أخبروا عنه ، وفي كل ما أخبر اللَّه تعالى عنه وذلك يبطل الوثوق بالشرائع وتطرق التهمة إلى كلها ، ثم إن ذلك الخبر لو صح فهو محمول على المعاريض على ما
قال عليه السلام : « إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب » .
فأما قوله تعالى :
إِنِّي سَقِيمٌ
فلعله كان به سقم قليل واستقصاء الكلام فيه يجيء في موضعه .
وأما قوله :
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ
فقط ظهر الجواب عنه .
أما قوله لسارة : إنها أختي ، فالمراد أنها أخته في الدين ، وإذا أمكن حمل الكلام على ظاهره من غير نسبة الكذب إلى الأنبياء عليهم السلام فحينئذ لا يحكم بنسبة الكذب إليهم إلا زنديق .
أما قوله تعالى :
فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ
ففيه وجوه : الأول : أن إبراهيم عليه السلام لما نبههم بما أورده عليهم على قبح طريقهم تنبهوا فعلموا أن عبادة الأصنام باطلة ، وأنهم على غرور وجهل في ذلك . والثاني : قال مقاتل : فرجعوا إلى أنفسهم فلاموها وقالوا إنكم أنتم الظالمون لإبراهيم حيث