تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
المسألة الخامسة : إن قيل الحبة أعظم من الخردلة ، فكيف قال حبة من خردل ؟ قلنا : الوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار . والغرض المبالغة في أن شيئا من الأعمال صغيرا كان أو كبيرا غير ضائع عند اللَّه تعالى . أما قوله تعالى :
وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
فالغرض منه التحذير فإن المحاسب إذا كان في العلم بحيث لا يمكن أن يشتبه عليه شيء ، وفي القدرة بحيث لا يعجز عن شيء ، حقيق بالعاقل أن يكون في أشد الخوف منه ، ويروي عن الشبلي رحمه اللَّه تعالى أنه رئي في المنام فقيل له : ما فعل اللَّه بك فقال :
حاسبونا فدققوا * ثم منوا فأعتقوا

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 48 إلى 50 ]

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ ( 48 ) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ( 49 ) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 50 )

[ القصة الأولى ، قصة موسى عليه السلام ]

اعلم أنه سبحانه لما تكلم في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد شرع في قصص الأنبياء عليهم السلام ، تسلية للرسول عليه السلام فيما يناله من قومه وتقوية لقلبه على أداء الرسالة والصبر على كل عارض دونها وذكر هاهنا منها قصصا . القصة الأولى ، قصة موسى عليه السلام ووجه الاتصال أنه تعالى لما أمر رسوله صلى اللَّه عليه وسلم أن يقول :
إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ
[ الأنبياء : 45 ] أتبعه بأن هذه عادة اللَّه تعالى في الأنبياء قبله فقال :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ
واختلفوا في المراد بالفرقان على أقوال : أحدها : أنه هو التوراة ، فكان فرقانا إذ كان يفرق به بين الحق والباطل ، وكان ضياء إذ كان لغاية وضوحه يتوصل به إلى طرق الهدى وسبل النجاة في معرفة اللَّه تعالى ومعرفة الشرائع ، وكان ذكرى أي موعظة أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ومصالحهم أو الشرف أما الواو في قوله :
وَضِياءً
فروى عكرمة عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قرأ ضياء بغير واو وهو حال من الفرقان ، وأما القراءة المشهورة فالمعنى آتيناهم الفرقان وهو التوراة وآتينا به ضياء وذكرى للمتقين . والمعنى أنه في نفسه ضياء وذكرى أو آتيناهما بما فيه من الشرائع والمواعظ ضياء وذكرى « 1 » . القول الثاني : أن المراد من الفرقان ليس التوراة ثم فيه وجوه : أحدها : عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما الفرقان هو النصر الذي أوتي موسى عليه السلام كقوله :
وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ
[ الأنفال : 41 ] يعني يوم بدر حين فرق بين الحق وغيره من الأديان الباطلة . وثانيها : هو البرهان الذي فرق به دين الحق عن الأديان الباطلة عن ابن زيد . وثالثها : فلق البحر عن الضحاك . ورابعها : الخروج عن الشبهات ، قال محمد بن كعب واعلم أنه تعالى إنما خصص الذكر بالمتقين لما في قوله :
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
[ البقرة : 2 ] أما قوله تعالى :
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ
فقال صاحب
هامش
( 1 ) رسمت في الأصل ( ذكري ) هكذا بالياء وجاء رسمها في المصحفوَذِكْراًبالتنوين وقد جرى المصنف على تفسيرها بالذكرى لا بالذكر . لهذا فإننا أثبتناها في الآيات :ذِكْراًمتابعة لرسم المصحف . وأثبتناها في التفسير ( ذكري ) متابعة للتفسير ، ولعل المفسر رحمه اللَّه جرى على قراءة غير قراءة حفص المشهورة بيننا . واللَّه أعلم وأحكم .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 150 | فخر الدين الرازي