تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
هذه الآية ، ثم فسر اللَّه تعالى ذلك بقوله :
أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ
والذكر يكون بخير وبخلافه ، فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد كقولك للرجل سمعت فلانا يذكرك ، فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء ، وإن كان عدوا فهو ذم ، ومنه قوله تعالى :
سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ
[ الأنبياء : 60 ] والمعنى أنه يبطل كونها معبودة ويقبح عبادتها . وأما قوله تعالى :
وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ
فالمعنى أنه يعيبون عليه ذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بأسوء ، مع أنهم بذكر الرحمن الذي هو المنعم الخالق المحيي المميت كافرون ولا فعل أقبح من ذلك ، فيكون الهزء واللعب والذم عليهم يعود من حيث لا يشعرون ، ويحتمل أن يراد بذكر الرحمن القرآن والكتب ، والمعنى في إعادتهم أن الأولى إشارة إلى القوم الذين كانوا يفعلون ذلك الفعل ، والثانية إبانة لاختصاصهم به ، وأيضا فإن في أعادتها تأكيدا وتعظيما لفعلهم .

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 37 إلى 41 ]

خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ( 37 ) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 38 ) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 39 ) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 40 ) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 41 ) / أما قوله تعالى :
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ
ففيه مسائل : المسألة الأولى : في المراد من الإنسان قولان : أحدهما : أنه النوع ، والثاني : أنه شخص معين . أما القول الأول : فتقريره أنهم كانوا يستعجلون عذاب اللَّه تعالى وآياته الملجئة إلى العلم والإقرار :
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ
[ الملك : 25 ] فأراد زجرهم عن ذلك ، فقدم أولا ذم الإنسان على إفراط العجلة ثم نهاهم وزجرهم كأنه قال : لا يبعد منكم أن تستعجلوا فإنكم مجبولون على ذلك وهو طبعكم وسجيتكم ، فإن قيل : مقدمة الكلام لا بد وأن تكون مناسبة للكلام ، وكون الإنسان مخلوقا من العجل يناسب كونه معذورا فيه فلم رتب على هذه المقدمة قوله :
فَلا تَسْتَعْجِلُونِ
قلنا : لأن العائق كلما كان أشد ، كانت القدرة عليه مخالفته أكمل ، فكأنه سبحانه نبه بهذا على أن ترك الاستعجال حالة شريفة عالية مرغوب فيها . أما القول الثاني : وهو أن المراد شخص معين فهذا فيه وجهان : أحدهما : أن المراد آدم عليه السلام ، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي والكلبي ومقاتل والضحاك ، وروى ابن جريج وليث بن أبي سليم عن مجاهد قال : خلق اللَّه آدم عليه السلام بعد كل شيء من آخر نهار الجمعة ، فلما دخل الروح رأسه ولم يبلغ أسفله ، قال : يا رب استعجل خلقي قبل غروب الشمس ، قال ليث : فذلك قوله تعالى :
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ
وعن السدي لما نفخ فيه الروح فدخل في رأسه عطس ، فقالت له الملائكة : قل الحمد للَّه ، فقال ذلك : فقال اللَّه له : يرحمك ربك . فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة ، ولما دخل الروح في جوفه اشتهى الطعام ، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه إلى ثمار الجنة . وهذا هو الذي أورث أولاده العجلة . وثانيهما : قال ابن عباس رضي اللَّه عنهما في رواية عطاء : نزلت