الوارد ما دخل الماء وقال تعالى :
وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ
[ القصص : 23 ] وأراد به القرب . ويقال : وردت القافلة البلدة وإن لم تدخلها فعلى هذا معنى الآية أن الجن والإنس يحضرون حول جهنم :
كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا
[ مريم : 71 ] أي واجبا مفروغا منه بحكم الوعيد ثم ننجي أي نبعد الذين اتقوا عن جهنم وهو المراد من قوله تعالى :
أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ
[ الأنبياء : 101 ] ومما يؤكد هذا القول ما
روي أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية فقالت حفصة : أليس اللّه يقول :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
فقال عليه السلام فمه ثم ننجي الذين اتقوا » ،
ولو كان الورود عبارة عن الدخول لكان سؤال حفصة لازما . القول الثاني : أن الورود هو الدخول ويدل عليه الآية والخبر ، أما الآية فقوله تعالى :
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ
[ الأنبياء : 98 ] وقال :
فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ
[ هود : 98 ] ويدل عليه قوله تعالى :
أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ
والمبعد هو الذي لولا التبعيد لكان قريبا فهذا إنما يحصل لو كانوا في النار ، ثم إنه تعالى يبعدهم عنها ويدل عليه قوله تعالى :
وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا
وهذا يدل على أنهم يبقون في ذلك الموضع الذي وردوه وهم إنما يبقون في النار فلا بد وأن يكونوا قد دخلوا النار ، وأما الخبر فهو
أن عبد اللّه بن رواحة قال : « أخبر اللّه عن الورود ولم يخبر بالصدور ، فقال عليه السلام : يا ابن رواحة اقرأ ما بعدها ثم ننجي الذين اتقوا » ،
وذلك يدل على أن ابن رواحة فهم من الورود الدخول والنبي صلّى اللّه عليه وسلم ما أنكر عليه في ذلك
وعن جابر : « أنه سئل عن هذه الآية فقال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما حتى أن للناس ضجيجا من بردها » .
والقائلون بهذا القول يقولون : المؤمنون يدخلون النار من غير خوف وضرر البتة بل مع الغبطة والسرور وذلك لأن اللّه تعالى أخبر عنهم أنهم :
لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ
[ الأنبياء : 103 ] ولأن الآخرة دار الجزاء لا دار التكليف ، وإيصال الغم والحزن إنما يجوز في دار التكليف ، ولأنه صحت الرواية
عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن الملائكة تبشر في القبر من كان من أهل الثواب بالجنة حتى يرى مكانه في الجنة ويعلمه » .
وكذلك القول في حال المعاينة فكيف يجوز أن يردوا القيامة وهم شاكون في أمرهم ، وإنما تؤثر هذه الأحوال في أهل النار لأنهم لا يعلمون كونهم من أهل النار والعقاب ، ثم اختلفوا في أنه كيف يندفع عنهم ضرر النار ، فقال بعضهم : البقعة المسماة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها ما لا نار فيه ، ويكون من المواضع التي يسلك فيها إلى دركات جهنم ، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يدخل الكل في جهنم فالمؤمنون يكونون في تلك المواضع الخالية عن النار ، والكفار يكونون في وسط / النار . وثانيها : أن اللّه تعالى يخمد النار فيعبرها المؤمنون وتنهار بغيرهم ، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : « يردونها كأنها إهالة »
وعن جابر بن عبد اللّه : « أنه سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض أليس وعدنا ربنا بأن نرد النار فيقال لهم : قد وردتموها وهي خامدة » .
وثالثها : أن حرارة النار ليست بطبعها فالأجزاء الملاصقة لأبدان الكفار يجعلها اللّه عليهم محرقة مؤذية والأجزاء الملاصقة لأبدان المؤمنين يجعلها اللّه بردا وسلاما عليهم ، كما في حق إبراهيم عليه السلام . وكما أن الكوز الواحد من الماء كان يشربه القبطي فكان يصير دما ويشربه الإسرائيلي فكان يصير ماء عذبا « 1 » . واعلم أنه لا بد من أحد هذه
هامش
( 1 ) هذه إحدى الآيات التسع التي كانت عذابا لفرعون وأهله في مصر ، وأكرم اللّه بها نبيه موسى والتي عد منها في قوله :
( فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ) [ الأعراف : 133 ] ، والمراد بالقبط هنا أتباع فرعون وهم سكان مصر قديما .