في محمد ؟ قال رسول اللّه ، قال : ما تقول في ؟ قال : أنا أصم فأعاد عليه ثلاثا فأعاد جوابه فقتله ، فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « أما الأول فقد أخذ برخصة اللّه ، وأما الثاني فقد صدع بالحق ، فهنيئا له » .
وجه الاستدلال بهذا الخبر من وجهين : الأول : أنه سمى التلفظ بكلمة الكفر رخصة . والثاني : أنه عظم حال من أمسك عنه حتى قتل . وثالثها : أن بذل النفس في تقرير الحق أشق ، فوجب أن يكون أكثر ثوابا
لقوله عليه السلام : « أفضل العبادات أحمزها »
أي أشقها . ورابعها : أن الذي أمسك عن كلمة الكفر طهر قلبه ولسانه عن الكفر . أما الذي تلفظ بها فهب أن قلبه طاهر عنه إلا أن لسانه في الظاهر قد تلطخ بتلك الكلمة الخبيثة ، فوجب أن يكون حال الأول أفضل ، واللّه أعلم .
المسألة السابعة : اعلم أن للإكراه مراتب .
المرتبة الأولى : أن يجب الفعل المكره عليه مثل ما إذا أكرهه على شرب الخمر وأكل الخنزير وأكل الميتة فإذا أكرهه عليه بالسيف فههنا يجب الأكل ، وذلك لأن صون الروح عن الفوات واجب ، ولا سبيل إليه في هذه الصورة إلا بهذا الأكل ، وليس في هذا الأكل ضرر على حيوان ولا فيه إهانة لحق اللّه تعالى ، فوجب أن يجب لقوله تعالى :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
[ البقرة : 195 ] .
المرتبة الثانية : أن يصير ذلك الفعل مباحا ولا يصير واجبا ، ومثاله ما إذا أكرهه على التلفظ بكلمة الكفر فههنا يباح له ولكنه لا يجب كما قررناه .
المرتبة الثالثة : أن لا يجب ولا يباح بل يحرم ، وهذا مثل ما إذا أكرهه إنسان على قتل إنسان آخر أو على قطع عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية ، وهل يسقط القصاص عن المكره أم لا ؟ قال الشافعي رحمه اللّه : في أحد قوليه يجب القصاص ويدل عليه وجهان . الأول : أنه قتله عمدا عدوانا فيجب عليه القصاص لقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى
[ البقرة : 178 ] . والثاني : أجمعنا على أن المكره إذا قصد قتله فإنه يحل له أن يدفعه عن نفسه ولو بالقتل ، فلما كان توهم إقدامه على القتل يوجب إهدار دمه ، فلأن يكون عند صدور القتل منه حقيقة يصير دمه مهدرا كان أولى واللّه أعلم .
المسألة الثامنة : من الأفعال ما يقبل الإكراه عليه كالقتل والتكلم بكلمة الكفر ، ومنه ما لا يقبل الإكراه عليه قيل : وهو الزنا . لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة ، فحيث دخل الزنا في الوجود علم أنه وقع بالاختيار لا على سبيل الإكراه .
المسألة التاسعة : قال الشافعي رحمه اللّه : طلاق المكره لا يقع ، وقال أبو حنيفة رحمه اللّه : يقع ، وحجة الشافعي رحمه اللّه : قوله :
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
ولا يمكن أن يكون المراد نفي ذاته لأن ذاته موجودة فوجب حمله على نفي آثاره ، والمعنى : أنه لا أثر له ولا عبرة به ، وأيضا
قوله عليه السلام : « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه »
وأيضا
قوله عليه السلام : « لا طلاق في إغلاق »
أي إكراه فإن قالوا : طلقها فتدخل تحت قوله :
فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ
[ البقرة : 230 ] فالجواب لما تعارضت الدلائل ، وجب أن يبقى ما كان على ما كان على ما هو قولنا واللّه أعلم .
المسألة العاشرة : قوله :
وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
يدل على أن محل الإيمان هو القلب والذي محله