تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
النعمة الثانية : من النعم التي أظهرها اللّه تعالى على وجه الأرض هي أنه تعالى أجرى الأنهار على وجه الأرض واعلم أنه حصل هاهنا بحثان : البحث الأول : أن قوله :
وَأَنْهاراً
معطوف على قوله :
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ
والتقدير وألقى رواسي وأنهارا . وخلق الأنهار لا يبعد أن يسمى بالإلقاء فيقال : ألقى اللّه في الأرض أنهارا كما قال :
وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ *
[ ق : 7 ] والإلقاء معناه الجعل ألا تر أنه تعالى قال في آية أخرى :
وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها
[ فصلت : 10 ] والإلقاء يقارب الإنزال ، لأن الإلقاء يدل على طرح الشيء من الأعلى إلى الأسفل ، إلا أن المراد من هذا الإلقاء الجعل والخلق قال تعالى :
وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي
[ طه : 39 ] . البحث الثاني : أنه ثبت في العلوم العقلية أن أكثر الأنهار إنما تتفجر منابعها في الجبال ، فلهذا السبب لما ذكر اللّه تعالى الجبال أتبع ذكرها بتفجير العيون والأنهار . النعمة الثالثة : قوله :
وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
وهي أيضا معطوفة على قوله :
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ
والتقدير : وألقى في الأرض سبلا ومعناه : أنه تعالى أظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم ونظيره قوله تعالى في آية أخرى :
وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا
[ طه : 53 ] وقوله :
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
أي لكي تهتدوا . واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أظهر في الأرض سبلا معينة ذكر أنه أظهر فيها علامات مخصوصة حيت يتمكن المكلف من الاستدلال بها فيصل بواسطتها إلى مقصوده فقال :
وَعَلاماتٍ
وهي أيضا معطوفة على قوله :
فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ
والتقدير : وألقى في الأرض رواسي وألقى فيها أنهارا وسبلا وألقى فيها علامات والمراد بالعلامات معالم الطرق وهي الأشياء التي بها يهتدي ، وهذه العلامات هي الجبال والرياح ورأيت جماعة يشمون التراب وبواسطة ذلك الشم يتعرفون الطرق . قال الأخفش تم الكلام عند قوله :
وَعَلاماتٍ
وقوله :
وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
كلام منفصل عن الأول ، والمراد بالنجم الجنس كقولك : كثر الدرهم في أيدي الناس . وعن السدي هو الثريا ، والفرقدان ، وبنات نعش ، والجدي ، وقرأ الحسن :
وَبِالنَّجْمِ
بضمتين وبضمة فسكون ، وهو جمع نجم كرهن ورهن والسكون تخفيف . وقيل : حذف الواو من النجم تخفيفا . فإن قيل : قوله :
أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ
خطاب الحاضرين وقوله :
وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
خطاب للغائبين فما السبب فيه ؟ قلنا : إن قريشا كانت تكثر أسفارها لطلب المال ، ومن كثرت أسفاره كان علمه بالمنافع الحاصلة من الاهتداء بالنجوم أكثر وأتم فقوله :
وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
إشارة إلى قريش للسبب الذي ذكرناه . واللّه أعلم . واختلف المفسرون فمنهم من قال قوله :
وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
مختص بالبحر ، لأنه تعالى لما / ذكر صفة البحر وما فيه من المنافع بين أن من يسيرون فيه يهتدون بالنجم ، ومنهم من قال : بل هو مطلق يدخل فيه السير في البر والبحر وهذا القول أولى ، لأنه أعم في كونه نعمة ولأن الاهتداء بالنجم قد يحصل في الوقتين معا ، ومن الفقهاء من يجعل ذلك دليلا على أن المسافر إذا عميت عليه القبلة فإنه يجب عليه أن يستدل بالنجوم وبالعلامات التي في الأرض ، وهي الجبال والرياح ، وذلك صحيح ، لأنه كما يمكن الاهتداء بهذه العلامات في
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 191 | فخر الدين الرازي