قلنا : الدلالة على أن إنكارهم أمر يستبعد بعد حصول المعرفة ، لأن حق من عرف النعمة أن يعترف لا أن ينكر . وفي المراد بهذه النعمة وجوه : الأول : قال القاضي : المراد بها جميع ما ذكره اللّه تعالى في الآيات المتقدمة من جميع أنواع النعم ، ومعنى أنهم أنكروه هو أنهم ما أفردوه تعالى بالشكر والعبادة ، بل شكروا على تلك النعم غير اللّه تعالى ولأنهم قالوا : إنما حصلت هذه النعم بشفاعة / هذه الأصنام . والثاني : أن المراد أنهم عرفوا أن نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم حق ثم ينكرونها ، ونبوته نعمة عظيمة كما قال تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
. الثالث : يعرفون نعمة اللّه ثم ينكرونها ، أي لا يستعملونها في طلب رضوان اللّه تعالى .
ثم قال تعالى :
وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ
.
فإن قيل : ما معنى قوله ،
وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ
مع أنه كان كلهم كافرين .
قلنا : الجواب من وجوه : الأول : إنما قال :
وَأَكْثَرُهُمُ
لأنه كان فيهم من لم تقم عليه الحجة ممن لم يبلغ حد التكليف أو كان ناقص العقل معتوها ، فأراد بالأكثر البالغين الأصحاء . الثاني : أن يكون المراد بالكافر الجاحد المعاند ، وحينئذ نقول إنما قال :
وَأَكْثَرُهُمُ
لأنه كان فيهم من لم يكن معاندا بل كان جاهلا بصدق الرسول عليه الصلاة والسلام وما ظهر له كونه نبيا من عند اللّه . الثالث : أنه ذكر الأكثر والمراد الجميع ، لأن أكثر الشيء يقوم مقام الكل ، فذكر الأكثر كذكر الجميع ، وهذا كقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ *
[ لقمان : 25 ] واللّه أعلم .
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 84 إلى 85 ]
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 84 ) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 85 )
اعلم أنه تعالى لما بين من حال القوم أنهم عرفوا نعمة اللّه ثم أنكروها وذكر أيضا من حالهم أن أكثرهم الكافرون أتبعه بالوعيد ، فذكر حال يوم القيامة فقال :
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً
وذلك يدل على أن أولئك الشهداء يشهدون عليهم بذلك الإنكار وبذلك الكفر ، والمراد بهؤلاء الشهداء الأنبياء كما قال تعالى :
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً
[ النساء : 41 ] وقوله :
ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا
فيه وجوه : أحدها : لا يؤذن لهم في الاعتذار لقوله :
وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ
[ المرسلات : 36 ] .
وثانيها : لا يؤذن لهم في كثرة الكلام . وثالثها : لا يؤذن لهم في الرجوع إلى دار الدنيا وإلى التكليف . ورابعها :
لا يؤذن لهم في حال شهادة الشهود ، بل يسكت أهل الجمع كلهم ليشهد الشهود . وخامسها : لا يؤذن لهم في كثرة الكلام ليظهر لهم كونهم / آيسين من رحمة اللّه تعالى . ثم قال :
وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
الاستعتاب طلب العتاب ، والرجل يطلب العتاب من خصمه إذا كان على جزم أنه إذا عاتبه رجع إلى الرضا ، فإذا لم يطلب العتاب منه دل على أنه راسخ في غضبه وسطوته ، ثم إنه تعالى أكد هذا الوعيد فقال :
وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ
والمعنى أن المشركين إذا رأوا العذاب ووصلوا إليه ، فعند ذلك لا يخفف عنهم العذاب
وَلا هُمْ
أيضا
يُنْظَرُونَ
أي لا يؤخرون ولا يمهلون ، لأن التوبة هناك غير موجودة ، وتحقيقه ما يقوله المتكلمون من أن العذاب يجب أن يكون خالصا عن شوائب النفع ، وهو المراد من قوله :
فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ
العذاب [ البقرة : 162 ] ويجب أن يكون العذاب دائما وهو المراد من قوله :
وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
.