نقول جعلت لك ، وأبي الزجاج إجازة الوجه الأول ، وقال « ما » في موضع رفع لا غير ، والتقدير : ولهم الشيء الذي يشتهونه ، ولا يجوز النصب لأن العرب تقول جعل لنفسه ما تشتهي ، ولا تقول جعل له ما يشتهي وهو يعني نفسه . ثم إنه تعالى ذكر أن الواحد من هؤلاء المشركين لا يرضى بالولد البنت لنفسه فما لا يرتضيه لنفسه كيف ينسبه للّه تعالى فقال :
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : التبشير في عرف اللغة مختص بالخبر الذي يفيد السرور إلا أنه بحسب أصل اللغة عبارة عن الخبر الذي يؤثر في تغير بشرة الوجه ، ومعلوم أن السرور كما يوجب تغير البشرة فكذلك الحزن يوجبه .
فوجب أن يكون لفظة التبشير حقيقة في القسمين ، ويتأكد هذا بقوله /
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ *
[ آل عمران : 21 ] ومنهم من قال : المراد بالتبشير هاهنا الإخبار ، والقول الأول أدخل في التحقيق .
أما قوله :
ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا
فالمعنى أنه يصير متغيرا تغير مغتم ، ويقال لمن لقي مكروها قد اسود وجهه غما وحزنا ، وأقول إنما جعل اسوداد الوجه كناية عن الغم ، وذلك لأن الإنسان إذا قوي فرحه انشرح صدره وانبسط روح قلبه من داخل القلب ، ووصل إلى الأطراف ، ولا سيما إلى الوجه لما بينهما من التعلق الشديد ، وإذا وصل الروح إلى ظاهر الوجه أشرق الوجه وتلألأ واستنار ، وأما إذا قوي غم الإنسان احتقن الروح في باطن القلب ولم يبق منه أثر قوي في ظاهر الوجه ، فلا جرم يربد الوجه ويصفر ويسود ويظهر فيه أثر الأرضية والكثافة ، فثبت أن من لوازم الفرح استنارة الوجه وإشراقه ، ومن لوازم الغم كمودة الوجه وغبرته وسواده ، فلهذا السبب جعل بياض الوجه إشراقه كناية عن الفرح وغبرته وكمودته وسواده كناية عن الغم والحزن والكراهية ، ولهذا المعنى قال :
ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ
أي ممتلئ غما وحزنا .
ثم قال تعالى :
يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ
أي يختفي ويتغيب من سوء ما بشر به ، قال المفسرون : كان الرجل في الجاهلية إذا ظهر آثار الطلق بامرأته توارى واختفى عن القوم إلى أن يعلم ما يولد له فإن كان ذكرا ابتهج به ، وإن كان أنثى حزن ولم يظهر للناس أياما يدبر فيها أنه ماذا يصنع بها ؟ وهو قوله :
أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ
والمعنى : أيحبسه ؟ والإمساك هاهنا بمعنى الحبس كقوله :
أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ
[ الأحزاب : 37 ] وإنما قال :
أَ يُمْسِكُهُ
ذكره بضمير الذكران لأن هذا الضمير عائد على « ما » في قوله :
ما بُشِّرَ بِهِ
والهون الهوان قال النضر بن شميل يقال إنه أهون عليه هونا وهوانا ، وأهنته هونا وهوانا ، وذكرنا هذا في سورة الأنعام عند قوله ،
عَذابَ الْهُونِ *
[ الأنعام : 93 ] وفي أن هذا الهون صفة من ؟ قولان : الأول : أنه صفة المولودة ، ومعناه أنه يمسكها عن هون منه لها . والثاني : قال عطاء عن ابن عباس : أنه صفة للأب ، ومعناه أنه يمسكها مع الرضا بهوان نفسه وعلى رغم أنفه .
ثم قال :
أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ
والدس إخفاء الشيء في الشيء . يروى أن العرب كانوا يحفرون حفيرة ويجعلونها فيها حتى تموت .
وروي عن قيس بن عاصم أنه قال : يا رسول اللّه إني واريت ثماني بنات في الجاهلية فقال عليه السلام : « أعتق عن كل واحدة منهن رقبة » ، فقال : يا نبي اللّه إني ذو إبل ، فقال : « أهد عن كل واحدة منهن هديا »
و
روي أن رجلا قال يا رسول اللّه : ما أجد حلاوة الإسلام منذ أسلمت ، فقد كانت لي في الجاهلية ابنة فأمرت امرأتي أن تزينها فأخرجتها إلى فانتهيت بها إلى واد بعيد القعر فألقيتها فيه ، فقالت : يا أبت قتلتني ، فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء ، فقال عليه السلام : « ما كان في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما كان