تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
تقديم وتأخير ، والتقدير : كل ذلك كان مكروها وسيئة عند ربك . الرابع : أنه محمول على المعنى لأن السيئة هي الذنب وهو مذكر . المسألة الثانية : قال القاضي : دلت هذه الآية على أن هذه الأعمال مكروهة عند اللّه تعالى ، والمكروه لا يكون مرادا له ، فهذه الأعمال غير مرادة للّه تعالى فبطل قول من يقول : كل ما دخل في الوجود فهو مراد للّه تعالى . وإذا ثبت أنها ليست بإرادة اللّه تعالى وجب أن لا تكون مخلوقة له لأنها لو كانت مخلوقة للّه تعالى لكانت مرادة له لا يقال : المراد من كونها مكروهة أن اللّه تعالى نهى عنها ، وأيضا معنى كونها مكروهة أن اللّه تعالى كره وقوعها وعلى هذا التقدير فهذا لا يمنع أن اللّه تعالى أراد وجودها ، لأن الجواب عن الأول أنه عدول عن الظاهر ، وأيضا فكونها سيئة عند ربك يدل على كونها منهيا عنها فلو حملنا المكروه على النهي لزم التكرار . والجواب عن الثاني : أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية في معرض الزجر عن هذه الأفعال ، ولا يليق بهذا الموضع أن يقال : إنه يكره وقوعها هذا تمام هذا الاستدلال . والجواب : أن المراد من المكروه المنهي عنه ولا بأس بالتكرير لأجل التأكيد واللّه أعلم . المسألة الثالثة : قال القاضي : دلت هذه الآية على أنه تعالى كما أنه موصوف بكونه مريدا فكذلك أيضا موصوف بكونه كارها . وقال أصحابنا : الكراهية في حقه تعالى محمولة إما على النهي أو على إرادة العدم . واللّه أعلم .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 39 إلى 40 ]

ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً ( 39 ) أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً ( 40 ) [ في قوله تعالى
ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً
] اعلم أنه تعالى جمع في هذه الآية خمسة وعشرين نوعا من التكاليف . فأولها : قوله :
وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
[ الإسراء : 22 ] وقوله :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
[ الإسراء : 23 ] مشتمل على تكليفين : الأمر بعبادة اللّه تعالى ، والنهي عن عبادة غير اللّه ، فكان المجموع ثلاثة . وقوله :
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
[ الإسراء : 23 ] هو الرابع ، ثم ذكر في شرح ذلك الإحسان خمسة أخرى وهي : قوله :
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما
[ الإسراء : 23 ، 24 ] فيكون المجموع تسعة ، ثم قال :
وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ
وهو ثلاثة فيكون المجموع اثني عشر . ثم قال :
وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً
[ الإسراء : 26 ] فيصير ثلاثة عشر . ثم قال :
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً
وهو الرابع عشر ثم قال :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ
[ الإسراء : 28 ، 29 ] إلى آخر الآية وهو الخامس عشر ، ثم قال :
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ
[ الإسراء : 31 ] وهو السادس عشر ، ثم قال :
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
وهو السابع عشر ثم قال :
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً
وهو الثامن عشر ، ثم قال :
فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ
[ الإسراء : 33 ] وهو التاسع عشر ، ثم قال :
وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ
[ الإسراء : 34 ] وهو العشرون . ثم قال :
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ
وهو الحادي والعشرون ، ثم قال :
وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ
[ الإسراء : 35 ] وهو الثاني والعشرون ، ثم قال :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
[ الإسراء : 36 ] وهو الثالث والعشرون ، ثم قال :
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 343 | فخر الدين الرازي