المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كقوله :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[ يوسف : 82 ] . وثانيها : أن العهد كان مسؤولا أي مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به . وثالثها : أن يكون هذا تخييلا كأنه يقال للعهد لم نكثت وهلا وفي بك تبكيتا للناكث كما يقال للموءودة :
بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ
[ التكوير : 9 ] وكقوله :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ
[ المائدة : 116 ] الآية فالمخاطبة لعيسى عليه السلام والإنكار على غيره .
النوع الثاني : من الأوامر المذكورة في هذه الآية قوله :
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ
والمقصود منه إتمام الكيل وذكر والوعيد الشديد في نقصانه في قوله :
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ
[ المطففين : 1 - 3 ] .
النوع الثالث : من الأوامر المذكورة في هذه الآية قوله :
وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ
فالآية المتقدمة في إتمام الكيل ، وهذه الآية في إتمام الوزن ، ونظيره قوله تعالى :
وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ
.
[ الرحمن : 9 ] وقوله :
وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ *
[ هود : 85 ] .
واعلم أن التفاوت الحاصل بسبب نقصان الكيل ، والوزن قليل والوعيد الحاصل عليه شديد عظيم ، فوجب على العاقل الاحتراز منه ، وإنما عظم الوعيد فيه لأن جميع الناس محتاجون إلى المعاوضات والبيع والشراء ، وقد يكون الإنسان غافلا لا يهتدي إلى حفظ ماله ، فالشارع بالغ في المنع من التطفيف والنقصان ، سعيا في إبقاء الأموال على الملاك ، ومنعا من تلطيخ النفس بسرقة ذلك المقدار الحقير ، والقسطاس في معنى الميزان إلا أنه في العرف أكبر منه ، ولهذا اشتهر في ألسنة العامة أنه القبان وقيل إنه بلسان الروم أو السرياني والأصح أنه لغة العرب وهو مأخوذ من القسط ، وهو الذي يحصل فيه الاستقامة والاعتدال ، وبالجملة فمعناه المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الجانبين ، وأجمعوا على جواز اللغتين فيه ، ضم القاف وكسرها ، فالكسر قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم والباقون بالضم .
ثم قال تعالى :
ذلِكَ خَيْرٌ
أي الإيفاء بالتمام والكمال خير من التطفيف القليل من حيث إن الإنسان يتخلص بواسطته عن الذكر القبيح في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة :
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
والتأويل ما يؤول إليه الأمر كما قال في موضع آخر :
خَيْرٌ مَرَدًّا
[ مريم : 76 ]
خَيْرٌ عُقْباً
[ الكهف : 44 ]
خَيْرٌ أَمَلًا
[ الكهف : 46 ] وإنما حكم تعالى بأن عاقبة هذا الأمر أحسن العواقب ، لأنه في الدنيا إذا اشتهر بالاحتراز عن التطفيف عول الناس عليه ومالت القلوب إليه وحصل له الاستغناء في الزمان القليل ، وكم قد رأينا من الفقراء لما اشتهروا عند الناس بالأمانة والاحتراز عن الخيانة أقبلت القلوب عليهم وحصلت الأموال الكثيرة / لهم في المدة القليلة وأما في الآخرة فالفوز بالثواب العظيم والخلاص من العقاب الأليم .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 36 ]
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ( 36 )
في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما شرح الأوامر الثلاثة ، عاد بعده إلى ذكر النواهي فنهى عن ثلاثة أشياء :
أولها : قوله :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
وقوله :
تَقْفُ
مأخوذ من قولهم : قفوت أثر فلان أقفو قفوا وقفوا إذا اتبعت أثره ، وسميت قافية الشعر قافية لأنها تقفو البيت ، وسميت القبيلة المشهورة بالقافة ، لأنهم