المسألة الثانية : قوله :
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
قال أهل اللغة : تقدير الآية وقضى ربك ألا تعبدوا إلا اللّه وأن تحسنوا ، أو يقال : وقضى ألا تعبدوا إلا إياه وأحسنوا بالوالدين إحسانا . قال صاحب « الكشاف » : ولا يجوز أن تتعلق الباء في
بِالْوالِدَيْنِ
بالإحسان لأن المصدر لا تتقدم عليه صلته ثم لم يذكر دليلا على أن المصدر لا يجوز أن تتقدم عليه صلته . وقال الواحدي في « البسيط » : الباء في
وَبِالْوالِدَيْنِ
من صلة الإحسان وقدمت عليه كما تقول بزيد فامرر ، وهذا المثال الذي ذكره الواحدي غير مطابق ، لأن المطلوب تقديم صلة المصدر عليه ، والمثال المذكور ليس كذلك .
المسألة الثالثة : قال القفال : لفظ الإحسان قد يوصل بحرف الباء تارة ، وبحرف إلى أخرى ، وكذلك الإساءة ، يقال : أحسنت به وإليه وأسأت به وإليه قال اللّه تعالى :
وَقَدْ أَحْسَنَ بِي
[ يوسف : 100 ] وقال القائل :
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة * لدينا ولا مقلية إن تقلت
وأقول لفظ الآية مشتمل على قيود كثيرة كل واحد منها يوجب المبالغة في الإحسان إلى الوالدين :
أحدها : أنه تعالى قال في الآية المتقدمة :
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً
[ الإسراء : 19 ] ثم إنه تعالى أردفه بهذه الآية المشتملة على الأعمال التي بواسطتها يحصل الفوز بسعادة الآخرة فذكر من جملتها البر بالوالدين ، وذلك يدل على أن هذه الطاعة من / أصول الطاعات التي تفيد سعادة الآخرة . وثانيها : أنه تعالى بدأ بذكر الأمر بالتوحيد وثنى بطاعة اللّه تعالى ، وثلث بالبر بالوالدين وهذه درجة عالية ومبالغة عظيمة في تعظيم هذه الطاعة . وثالثها : أنه تعالى لم يقل : وإحسانا بالوالدين ، بل قال :
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
فتقديم ذكرهما يدل على شدة الاهتمام . ورابعها : أنه قال :
إِحْساناً
بلفظ التنكير والتنكير يدل على التعظيم ، والمعنى : وقضى ربك أن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا عظيما كاملا ، وذلك لأنه لما كان إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة وجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك ، ثم على جميع التقديرات فلا تحصل المكافأة ، لأن إنعامهما عليك كان على سبيل الابتداء ، وفي الأمثال المشهورة أن البادي بالبر لا يكافأ .
ثم قال تعالى :
إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لفظ « إما » لفظة مركبة من لفظتين : إن ، وما . أما كلمة إن فهي للشرط ، وأما كلمة ( ما ) فهي أيضا للشرط كقوله تعالى :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ
[ البقرة : 106 ] فلما جمع بين هاتين الكلمتين أفاد التأكيد في معنى الاشتراط ، إلا أن علامة الجزم لم تظهر مع نون التوكيد ، لأن الفعل يبنى مع نون التأكيد وأقول لقائل أن يقول : إن نون التأكيد إنما يليق بالموضع الذي يكون اللائق به تأكيد ذلك الحكم المذكور وتقريره وإثباته على أقوى الوجوه ، إلا أن هذا المعنى لا يليق بهذا الموضع ، لأن قول القائل : الشيء إما كذا وإما كذا ، فالمطلوب منه ترديد الحكم بين ذينك الشيئين المذكورين ، وهذا الموضع لا يليق به التقرير والتأكيد فكيف يليق الجمع بين كلمة إما وبين نون التأكيد ؟
وجوابه : أن المراد أن هذا الحكم المتقرر المتأكد إما أن يقع وإما أن لا يقع واللّه أعلم .