إذا عرفت هذا فنقول : كونه جبارا متكبرا إشارة إلى الخلق النفساني وكونه عنيدا إشارة إلى الأثر الصادر عن ذلك الخلق ، وهو كونه مجانبا عن الحق منحرفا عنه ، ولا شك أن الإنسان الذي يكون خلقه هو التجبر والتكبر وفعله هو العنود وهو الانحراف عن الحق والصدق ، كان خائبا عن كل الخيرات خاسرا عن جميع أقسام السعادات .
واعلم أنه تعالى لما حكم عليه بالخيبة ووصفه بكونه جبارا عنيدا ، وصف كيفية عذابه بأمور : الأول :
قوله :
مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ
وفيه إشكال وهو أن المراد : أمامه جهنم ، فكيف أطلق لفظ الوراء على القدام والأمام ؟
وأجابوا عنه من وجوه : الأول : أن لفظ « وراء » اسم لما يوارى عنك ، وقدام وخلف متوار عنك ، فصح إطلاق لفظ « وراء » على كل واحد منهما . قال الشاعر :
عسى الكرب الذي أمسيت فيه * يكون وراءه فرج قريب
ويقال أيضا : الموت وراء كل أحد . الثاني : قال أبو عبيدة وابن السكيت : الوراء من الأضداد يقع على الخلف والقدام ، والسبب فيه أن كل ما كان خلفا فإنه يجوز أن ينقلب قداما وبالعكس ، فلا جرم جاز وقوع لفظ الوراء على القدام ، ومنه قوله تعالى :
وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ
[ الكهف : 79 ] أي أمامهم ، / ويقال :
الموت من وراء الإنسان . الثاني : قال ابن الأنباري « وراء » بمعنى بعد . قال الشاعر :
وليس وراء الله للمرء مذهب أي وليس بعد اللّه مذهب .
إذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى حكم عليه بالخيبة في قوله :
وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
.
ثم قال :
مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ
أي ومن بعده الخيبة يدخل جهنم .
النوع الثاني : مما ذكره اللّه تعالى من أحوال هذا الكافر قوله :
وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ
وفيه سؤالات :
السؤال الأول : علام عطف
وَيُسْقى
.
الجواب : على محذوف تقديره : من ورائه جهنم يلقى فيها ويسقى من ماء صديد .
السؤال الثاني : عذاب أهل النار من وجوه كثيرة ، فلم خص هذه الحالة بالذكر ؟
الجواب : يشبه أن تكون هذه الحالة أشد أنواع العذاب فخصص بالذكر مع قوله :
وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ
.
السؤال الثالث : ما وجه قوله :
مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ
.
الجواب : أنه عطف بيان والتقدير : أنه لما قال :
وَيُسْقى مِنْ ماءٍ
فكأنه قيل : وما ذلك الماء فقال :
صَدِيدٍ
والصديد ما يسيل جلود أهل النار . وقيل : التقدير ويسقى من ماء كالصديد . وذلك بأن يخلق اللّه تعالى في جهنم ما يشبه الصديد في النتن والغلظ والقذارة ، وهو أيضا يكون في نفسه صديدا ، لأن كراهته تصد