تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
السلام أنه ذكرهم بها فقال :
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ
فقوله :
إِذْ أَنْجاكُمْ
ظرف للنعمة بمعنى الأنعام ، أي اذكروا إنعام اللّه عليكم في ذلك الوقت . بقي في الآية سؤالات : السؤال الأول : ذكر في سورة البقرة :
يُذَبِّحُونَ
[ البقرة : 49 ] وفي سورة الأعراف :
يُقَتِّلُونَ
[ الأعراف : 41 ] وهاهنا
وَيُذَبِّحُونَ
مع الواو فما الفرق ؟ والجواب : قال تعالى في سورة البقرة :
يُذَبِّحُونَ
بغير واو لأنه تفسير لقوله :
سُوءَ الْعَذابِ
وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو تقول : أتاني القوم زيد وعمرو . لأنك أردت أن تفسر القوم بهما ومثله قوله تعالى :
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً * يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ
[ الفرقان : 68 ، 69 ] فالآثام لما صار مفسرا بمضاعفة العذاب لا جرم حذف عنه الواو ، أما في هذه السورة فقد أدخل الواو فيه ، لأن المعنى أنهم يعذبونهم بغير التذبيح وبالتذبيح أيضا فقوله :
وَيُذَبِّحُونَ
نوع آخر من العذاب لا أنه تفسير لما قبله . السؤال الثاني : كيف كان فعل آل فرعون بلاء من ربهم ؟ والجواب من وجهين : أحدهما : أن تمكين اللّه إياهم حتى فعلوا ما فعلوا كان بلاء من اللّه . والثاني : وهو أن ذلك إشارة إلى الإنجاء ، وهو بلاء عظيم ، والبلاء هو الابتلاء ، وذلك قد يكون بالنعمة تارة ، وبالمحنة أخرى ، قال تعالى :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
[ الأنبياء : 35 ] وهذا الوجه أولى لأنه يوافق صدر الآية وهو قوله تعالى :
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
. السؤال الثالث : هب أن تذبيح الأبناء كان بلاء ، أما استحياء النساء كيف يكون بلاء . الجواب : كانوا يستخدمونهن بالاستحياء في الخلاص منه نعمة ، وأيضا إبقاؤهن منفردات عن الرجال فيه أعظم المضار .

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 7 ]

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ( 7 ) اعلم أن قوله :
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ
من جملة ما قال موسى لقومه كأنه قيل : وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة اللّه عليكم واذكروا حين تأذن ربكم ، ومعنى
تَأَذَّنَ
أذن ربكم . ونظير تأذن وآذن توعد وأوعد وتفضل وأفضل ، ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل ، كأنه قيل : وإذ آذن ربكم إيذانا بليغا ينتفي عنده الشكوك ، وتنزاح الشبهة ، والمعنى : وإذ تأذن ربكم . فقال :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ
/ فأجرى
تَأَذَّنَ
مجرى قال لأنه ضرب من القول ، وفي قراءة ابن مسعود رضي اللّه عنه : وإذ قال ربك لئن شكرتم . واعلم أن المقصود من الآية بيان أن من اشتغل بشكر نعم اللّه زاده اللّه من نعمه ، ولا بد هاهنا من معرفة حقيقة الشكر ومن البحث عن تلك النعم الزائدة الحاصلة عن الاشتغال بالشكر ، أما الشكر فهو عبارة عن الاعتراف بنعمة المنعم مع تعظيمه وتوطين النفس على هذه الطريقة ، وأما الزيادة في النعم فهي أقسام : منها النعم الروحانية ، ومنها النعم الجسمانية ، أما النعم الروحانية فهي أن الشاكر يكون أبدا في مطالعة أقسام نعم اللّه تعالى وأنواع فضله وكرمه ، ومن كثر إحسانه إلى الرجل أحبه الرجل لا محالة ، فشغل النفس بمطالعة أنواع فضل اللّه وإحسانه يوجب تأكد محبة العبد للّه تعالى ، ومقام المحبة أعلى مقامات الصديقين ، ثم قد يترقى العبد من