تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
ثم قال :
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ
قال الفراء : الجفاء الرمي والاطراح يقال : جفا الوادي غثاءه يجفوه جفاء إذا رماه ، والجفاء اسم للمجتمع منه المنضم بعضه إلى بعض وموضع جفاء نصب على الحال ، والمعنى : أن الزبد قد يعلو على وجه الماء ويربو وينتفخ إلا أنه بالآخرة يضمحل ويبقى الجوهر الصافي من الماء ومن الأجساد السبعة ، فكذلك الشبهات والخيالات قد تقوى وتعظم إلا أنها بالآخرة تبطل وتضمحل وتزول ويبقى الحق ظاهراً لا يشوبه شيء من الشبهات ، وفي قراءة رؤبة بن العجاج جفالًا ، وعن أبي حاتم لا يقرأ بقراءة رؤبة لأنه كان يأكل الفار . أما قوله تعالى :
لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى
ففيه وجهان : الأول : أنه تم الكلام عند قوله :
كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ
ثم استأنف الكلام بقوله :
لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى
ومحله الرفع بالابتداء وللذين خبره وتقديره لهم الخصلة الحسنى والحالة الحسنى . الثاني : أنه متصل بما قبله والتقدير : كأنه قال الذي يبقى هو مثل المستجيب والذي يذهب جفاء مثل من لا يستجيب ثم بين الوجه في كونه مثلًا وهو أنه لمن يستجيب الحسنى وهو الجنة ، ولمن لا يستجيب أنواع الحسرة والعقوبة ، وفيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير : كذلك يضرب اللّه الأمثال للذين استجابوا لربهم الاستجابة الحسنى ، فيكون الحسنى صفة لمصدر محذوف . واعلم أنه تعالى ذكر هاهنا أحوال السعداء وأحوال الأشقياء ، أما أحوال السعداء فهي قوله :
لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى
والمعنى أن الذين أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعدل والنبوة وبعث الرسل والتزام الشرائع الواردة على لسان رسوله فلهم الحسنى . قال ابن عباس : الجنة ، وقال أهل المعاني : الحسنى هي المنفعة العظمى في الحسن ، وهي المنفعة الخالصة عن شوائب المضرة / الدائمة الخالية عن الانقطاع المقرونة بالتعظيم والإجلال . ولم يذكر الزيادة هاهنا لأنه تعالى قد ذكرها في سورة أخرى ، وهو قوله :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ
[ يونس : 26 ] وأما أحوال الأشقياء ، فهي قوله :
وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ
فلهم أنواع أربعة من العذاب والعقوبة . فالنوع الأول : قوله :
لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ
والافتداء جعل أحد الشيئين بدلًا من الآخر ، ومفعول لافتدوا به محذوف تقديره : لافتدوا به أنفسهم أي جعلوه فداء أنفسهم من العذاب ، والكناية في « به » عائدة إلى « ما » في قوله :
ما فِي الْأَرْضِ
. واعلم أن هذا المعنى حق ، لأن المحبوب بالذات لكل إنسان هو ذاته ، وكل ما سواه فإنما يحبه لكونه وسيلة إلى مصالح ذاته ، فإذا كانت النفس في الضرر والألم والتعب وكان مالكاً لما يساوي عالم الأجساد والأرواح فإنه يرضى بأن يجعله فداء لنفسه ، لأن المحبوب بالعرض لا بد وأن يكون فداء لما يكون محبوباً بالذات . والنوع الثاني : من أنواع العذاب الذي أعده اللّه لهم هو قوله :
أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ
قال الزجاج : ذاك لأن كفرهم أحبط أعمالهم . وأقول هاهنا حالتان : فكل ما شغلك باللّه وعبوديته ومحبته فهي الحالة السعيدة الشريفة العلوية القدسية ، وكل ما شغلك بغير اللّه فهي الحالة الضارة المؤذية الخسيسة ، ولا شك أن هاتين الحالتين يقبلان الأشد والأضعف والأقل والأزيد ، ولا شك أن المواظبة على الأعمال المناسبة لهذه الأحوال توجب قوتها ورسوخها لما ثبت في المعقولات أن كثرة الأفعال توجب حصول الملكات الراسخة ، ولا شك أنه