[ في قوله تعالى
لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
] اعلم أن الضمير في « له » عائد إلى « من » في قوله :
سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ
[ الرعد : 10 ] وقيل على اسم اللّه في عالم الغيب والشهادة ، والمعنى : للّه معقبات ، وأما المعقبات فيجوز أن يكون أصل هذه الكلمة معتقبات فأدغمت التاء في القاف كقوله :
وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ
[ التوبة : 90 ] والمراد المعتذرون ويجوز أن يكون من عقبه إذا جاء على عقبه فاسم المعقب من كل شيء ما خلف يعقب ما قبله ، والمعنى في كلا الوجهين واحد .
إذا عرفت هذا فنقول : في المراد بالمعقبات قولان . الأول : وهو المشهور الذي عليه الجمهور أن المراد منه الملائكة الحفظة وإنما صح وصفهم بالمعقبات ، إما لأجل أن ملائكة الليل تعقب ملائكة النهار وبالعكس ، وإما لأجل أنهم يتعقبون أعمال العباد ويتبعونها بالحفظ والكتب ، وكل من عمل عملًا ثم عاد إليه فقد عقب ، فعلى هذا المراد من المعقبات ملائكة الليل وملائكة النهار .
روي عن عثمان رضي اللّه عنه أنه قال : يا رسول اللّه أخبرني عن العبد كم معه من ملك فقال عليه السلام : « ملك عن يمينك يكتب الحسنات وهو أمين على الذي على الشمال فإذا عملت حسنة كتبت عشراً ، وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال لصاحب اليمين أكتب ؟
فيقول لا لعله يتوب فإذا قال ثلاثاً قال نعم أكتب أراحنا اللّه منه فبئس القرين ما أقل مراقبته للّه تعالى واستحياءه منا ، وملكان من بين يديك ومن خلفك فهو قوله تعالى :
لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ
وملك قابض على ناصيتك فإذا تواضعت لربك رفعك وإن تجبرت قصمك ، وملكان على شفتك يحفظان عليك الصلاة على ، وملك علي فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك ، وملكان على عينيك فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي تبدل ملائكة / الليل بملائكة النهار فهم عشرون ملكاً على كل آدمي » .
و
عنه صلّى اللّه عليه وسلم : « يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر » .
وهو المراد من قوله :
وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً
[ الإسراء : 78 ] قيل : تصعد ملائكة الليل وهي عشرة وتنزل ملائكة النهار ، وقال ابن جريج : هو مثل قوله تعالى :
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ
[ ق : 17 ] صاحب اليمين يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات . وقال مجاهد : ما من عبد إلا وله ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته . وفي الآية سؤالات :
السؤال الأول : الملائكة ذكور ، فلم ذكر في جمعها جمع الإناث وهو المعقبات ؟
والجواب : فيه قولان : الأول : قال الفراء : المعقبات ذكران جمع ملائكة معقبة ، ثم جمعت معقبة بمعقبات ، كما قيل : أبناوات سعد ورجالات بكر جمع رجال ، والذي يدل على التذكير قوله :
يَحْفَظُونَهُ
.
والثاني : وهو قول الأخفش : إنما أنثت لكثرة ذلك منها ، نحو : نسابة ، وعلامة ، وهو ذكر .
السؤال الثاني : ما المراد من كون أولئك المعقبات من بين يديه ومن خلفه ؟
والجواب : أن المستخفي بالليل والسارب بالنهار قد أحاط به هؤلاء المعقبات فيعدون عليه أعماله وأقواله بتمامها ، ولا يشذ من تلك الأعمال والأقوال من خلفهم شيء أصلًا ، وقال بعضهم : بل المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه ومن خلفه ، لأن السارب بالنهار إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من بين يديه ومن خلفه .