الوضع ، وجناح الإنسان يده . قال الليث : يدا الإنسان جناحاه ، ومنه قوله :
وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ
[ القصص : 32 ] وخفض الجناح كناية عن اللين والرفق والتواضع ، والمقصود أنه تعالى لما نهاه عن الالتفات إلى أولئك الأغنياء من الكفار أمره بالتواضع لفقراء المسلمين ، ونظيره قوله تعالى :
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ
[ المائدة : 54 ] وقال في صفة أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم :
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
[ الفتح : 29 ] .
[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 89 إلى 91 ]
وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ( 89 ) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ( 90 ) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ( 91 )
[ في قوله تعالى
وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ
] اعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بالزهد في الدنيا ، وخفض الجناح للمؤمنين ، أمره بأن يقول للقوم :
إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ
فيدخل تحت كونه نذيرا ، كونه مبلغا لجميع التكاليف ، لأن كل ما كان واجبا ترتب على تركه عقاب وكل ما كان حراما ترتب على فعله عقاب فكان الأخبار بحصول هذا العقاب داخلا تحت لفظ النذير ، ويدخل تحته أيضا كونه شارحا لمراتب الثواب والعقاب والجنة والنار ، ثم أردفه بكونه مبينا ، ومعناه كونه آتيا في كل ذلك بالبيانات الشافية والبينات الوافية ، ثم قال بعده :
كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ
وفيه بحثان .
البحث الأول : اختلفوا في أن المقتسمين من هم ؟ وفيه أقوال :
القول الأول : قال ابن عباس : هم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ويقرب عددهم من أربعين . وقال مقاتل بن سليمان : كانوا ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم ، فاقتسموا عقبات مكة وطرقها يقولون لمن يسلكها لا تغتروا بالخارج منا ، والمدعي للنبوة فإنه مجنون ، وكانوا ينفرون الناس عنه بأنه ساحر أو كاهن / أو شاعر ، فأنزل اللّه تعالى بهم خزيا فماتوا شر ميتة ، والمعنى : أنذرتكم مثل ما نزل بالمقتسمين .
والقول الثاني : وهو قول ابن عباس رضي اللّه عنهما في بعض الروايات أن المقتسمين هم اليهود والنصارى ، واختلفوا في أن اللّه تعالى لم سماهم مقتسمين ؟ فقيل لأنهم جعلوا القرآن عضين آمنوا بما وافق التوراة وكفروا بالباقي . وقال عكرمة : لأنهم اقتسموا القرآن استهزاء به ، فقال بعضهم : سورة كذا لي . وقال بعضهم : سورة كذا لي . وقال مقاتل بن حبان : اقتسموا القرآن فقال بعضهم سحر . وقال بعضهم شعر ، وقال بعضهم كذب ، وقال بعضهم : أساطير الأولين .
والقول الثالث : في تفسير المقتسمين . قال ابن زيد : هم قوم صالح تقاسموا لنبيتنه وأهله ، فرمتهم الملائكة بالحجارة حتى قتلوهم ، فعلى هذا الاقتسام من القسم لا من القسمة ، وهو اختيار ابن قتيبة .
البحث الثاني : أن قوله :
كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ
يقتضي تشبيه شيء بذلك فما ذلك الشيء ؟
والجواب عنه من وجهين :
الوجه الأول : التقدير : ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم كما أنزلنا على أهل الكتاب وهم