إذا عرفت هذا فنقول : في قوله :
مُقَرَّنِينَ
ثلاثة أوجه : أحدها : قال الكلبي : مقرنين كل كافر مع شيطان في غل ، وقال عطاء : هو معنى قوله :
وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ
[ التكوير : 70 ] أي قرنت فيقرن اللّه تعالى نفوس المؤمنين بالحور العين ، ونفوس الكافرين بقرنائهم من الشياطين ، وأقول حظ البحث العقلي منه أن الإنسان إذا فارق الدنيا ، فإما أن يكون قد راض نفسه وهذبها ودعاها إلى معرفة اللّه تعالى وطاعته ومحبته ، أو ما فعل ذلك ، بل تركها متوغلة في اللذات الجسدانية مقبلة على الأحوال الوهمية والخيالة ، فإن كان الأول فتلك النفس تفارق مع تلك الجهة بالحضرة الإلهية ، والسعادة / بالعناية الصمدانية ، وإن كان الثاني فتلك النفس تفارق مع الأسف والحزن والبلاء الشديد ، بسبب الميل إلى عالم الجسم ، وهذا هو المراد بقوله :
وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ
وشيطان النفس الكافرة هي الملكات الباطلة ، والحوادث الفاسدة ، وهو المراد من قول عطاء : إن كل كافر مع شيطانه يكون مقرونا في الأصفاد .
والقول الثاني : في تفسير قوله :
مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ
هو قرن بعض الكفار ببعض ، والمراد أن تلك النفوس الشقية والأرواح المكدرة الظلمانية ، لكونها متجانسة متشاكلة ينضم بعضها إلى بعض ، وتنادي ظلمة كل واحدة منها إلى الأخرى ، فانحدار كل واحدة منها إلى الأخرى في تلك الظلمات ، والخسارات هي المراد بقوله :
مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ
.
والقول الثالث : قال زيد بن أرقم : قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال ، وحظ العقل من ذلك أن الملكات الحاصلة في جوهر النفس إنما تحصل بتكرير الأفعال الصادرة من الجوارح والأعضاء ، فإذا كانت تلك الملكات ظلمانية كدرة ، صارت في المثال كأن أيديها وأرجلها قرنت وغلت في رقابها . وأما قوله :
فِي الْأَصْفادِ
ففيه وجهان : أحدها : أن يكون ذلك متعلقا بمقرنين ، والمعنى : يقربون بالأصفاد . والثاني : أن لا يكون متعلقا به ، والمعنى : أنهم مقرنون مقيدون ، وحظ العقل معلوم مما سلفت الإشارة إليه .
الصفة الثانية : قوله تعالى :
سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ
السرابيل جمع سربال وهو القميص ، والقطران فيه ثلاث لغات : قطران وقطران وقطرن ، بفتح القاف وكسرها مع سكون الطاء وبفتح القاف وكسر الطاء ، وهو شيء يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ ويطلى به الإبل الجرب فيحرق الجرب بحرارته وحدته ، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف ، ومن شأنه أن يتسارع فيه اشتعال النار ، وهو أسود اللون منتن الريح فتطلى به جلود أهل النار حتى يصير ذلك الطلي كالسرابيل ، وهي القمص فيحصل بسببها أربعة أنواع من العذاب ، لذع القطران وحرقته ، وإسراع النار في جلودهم واللون الوحش ونتن الريح ، وأيضا التفاوت بين قطران القيامة وقطران الدنيا كالتفاوت بين النارين ، وأقول حظ العقل من هذا أن جوهر الروح جوهر مشرق لامع من عالم القدس وغيبة الجلال ، وهذا البدن جار مجرى السربال والقميص له ، وكل ما يحصل للنفس من الآلام والغموم ، فإنما يحصل بسبب هذا البدن ، فلهذا البدن لذع وحرقة في جوهر النفس ، لأن الشهوة والحرص والغضب إنما تتسارع إلى جوهر الروح بسببه ، وكونه للكثافة والكدورة والظلمة هو الذي يخفي لمعان الروح وضوءه وهو سبب لحصول النتن والعفونة ، فتشبه هذا الجسد بسرابيل من القطران والقطر ، وقرأ / بعضهم من قطر آن والقطر النحاس أو الصفر المذاب والآني المتناهي حره . قال أبو بكر بن الأنباري : وتلك النار لا تبطل ذلك القطران ولا تفنيه كما لا تهلك النار أجسادهم والأغلال التي كانت عليهم .