البحث الثاني : أن هذا الدعاء جامع للدين والدنيا . أما الدين فلأنه يدخل فيه ميل الناس إلى الذهاب إلى تلك البلدة بسبب النسك والطاعة للّه تعالى . وأما الدنيا : فلأنه يدخل فيه ميل الناس إلى نقل المعاشات إليهم بسبب التجارات ، فلأجل هذا الميل يتسع عيشهم ، ويكثر طعامهم ولباسهم .
البحث الثالث : كلمة ( من ) في قوله :
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ
تفيد التبعيض ، والمعنى :
فاجعل أفئدة بعض الناس مائلة إليهم . قال مجاهد : لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند . وقال سعيد بن جبير : لو قال أفئدة الناس ، لحجت اليهود والنصارى المجوس ، ولكنه قال :
أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ
فهم المسلمون .
ثم قال :
وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ
وفيه بحثان :
البحث الأول : أنه لم يقل : وارزقهم الثمرات ، بل قال :
وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ
وذلك يدل على أن المطلوب بالدعاء اتصال بعض الثمرات إليهم .
البحث الثاني : يحتمل أن يكون المراد بإيصال الثمرات إليهم إيصالها إليهم على سبيل التجارات وإنما يكون المراد : عمارة القرى بالقرب منها لتحصيل الثمار منها .
ثم قال :
لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
وذلك يدل على أن المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرغ لأداء العبادات وإقامة الطاعات ، فإن إبراهيم عليه السلام بين أنه إنما طلب تيسير المنافع على أولاده لأجل أن يتفرغوا لإقامة الصلوات وأداء الواجبات .
المطلوب الرابع : قوله :
رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ
.
واعلم أنه عليه السلام لما طلب من اللّه تيسير المنافع لأولاده وتسهيلها عليهم ، ذكر أنه لا يعلم عواقب الأحوال ونهايات الأمور في المستقبل ، وأنه تعالى هو العالم بها المحيط بأسرارها ، فقال :
رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ
والمعنى : أنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا ومفاسدنا منا ، قيل : ما نخفي من الوجد بسبب حصول الفرقة بيني وبين إسماعيل ، وما نعلن من البكاء ، وقيل : ما نخفي من الحزن المتمكن في القلب وما نعلن يريد ما جرى بينه وبين هاجر حيث قالت له عند الوداع إلى من تكلنا ؟ / فقال إلى اللّه أكلكم ، قالت اللّه أمرك بهذا ؟ قال نعم : قالت إذن لا نخشي .
ثم قال :
وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
وفيه قولان : أحدهما : أنه كلام اللّه عز وجل تصديقا لإبراهيم عليه السلام كقوله :
وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ
[ النحل : 34 ] والثاني : أنه من كلام إبراهيم عليه السلام يعني وما يخفي على الذي هو عالم الغيب من شيء في كل مكان ، ولفظ « من » يفيد الاستغراق كأنه قيل :
وما يخفى عليه شيء ما .
ثم قال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ
وفيه مباحث :
البحث الأول : اعلم أن القرآن يدل على أنه تعالى إنما أعطى إبراهيم عليه السلام هذين الولدين أعني إسماعيل وإسحاق على الكبر والشيخوخة ، فأما مقدار ذلك السن فغير معلوم من القرآن وإنما يرجع فيه إلى