تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
واعلم أن من فسر الاجتباء بالنبوة لا يمكنه أن يفسر إتمام النعمة هاهنا بالنبوة أيضا وإلا لزم التكرار ، بل يفسر إتمام النعمة هاهنا بسعادات الدنيا وسعادات الآخرة . أما سعادات الدنيا فالإكثار من الأولاد والخدم والأتباع والتوسع في المال والجاه والحشم وإجلاله في قلوب الخلق وحسن الثناء والحمد . وأما سعادات الآخرة : فالعلوم الكثيرة والأخلاق الفاضلة والاستغراق في معرفة اللَّه تعالى . وأما من فسر الاجتباء بنيل الدرجات العالية ، فههنا يفسر إتمام النعمة بالنبوة ويتأكد هذا بأمور : الأول : أن إتمام النعمة عبارة عما به تصير النعمة تامة كاملة خالية عن جهات النقصان . وما ذاك في حق البشر إلا بالنبوة ، فإن جميع مناصب الخلق دون منصب الرسالة ناقص بالنسبة إلى كمال النبوة ، فالكمال المطلق والتمام المطلق في حق البشر ليس إلا النبوة ، والثاني : قوله :
كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ
ومعلوم أن النعمة التامة التي بها حصل امتياز إبراهيم وإسحاق عن سائر البشر ليس إلا النبوة ، فوجب أن يكون المراد بإتمام النعمة هو النبوة . واعلم أنا لما فسرنا هذه الآية بالنبوة لزم الحكم بأن أولاد يعقوب كلهم كانوا أنبياء ، وذلك لأنه قال :
وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ
وهذا يقتضي حصول تمام النعمة لآل يعقوب ، فلما كان المراد من إتمام النعمة هو النبوة لزم حصولها لآل يعقوب ترك العمل به في حق من عدا أبناءه فوجب أن لا يبقى معمولا به في حق أولاده . وأيضا أن يوسف عليه السلام قال :
إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً
وكان تأويله أحد عشر نفسا لهم فضل وكمال ويستضيء بعلمهم ودينهم أهل الأرض ، لأنه لا شيء أضوأ من الكواكب وبها يهتدى وذلك يقتضي أن يكون جملة أولاد يعقوب أنبياء ورسلا . فإن قيل : كيف يجوز أن يكونوا أنبياء وقد أقدموا على ما أقدموا عليه في حق يوسف عليه السلام ؟ قلنا : ذاك وقع قبل النبوة ، وعندنا العصمة إنما تعتبر في وقت النبوة لا قبلها . القول الثاني : أن المراد من قوله :
وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ
خلاصه من المحن ، ويكون وجه التشبيه في ذلك بإبراهيم وإسحاق عليهما السلام هو إنعام اللَّه تعالى على إبراهيم بإنجائه من النار وعلى ابنه إسحاق بتخليصه من الذبح . والقول الثالث : أن إتمام النعمة هو وصل نعمة اللَّه عليه في الدنيا بنعمة الآخرة بأن / جعلهم في الدنيا أنبياء وملوكا ونقلهم عنها إلى الدرجات العلى في الجنة . واعلم أن القول الصحيح هو الأول ، لأن النعمة التامة في حق البشر ليست إلا النبوة ، وكل ما سواها فهي ناقصة بالنسبة إليها ، ثم إنه عليه السلام لما وعده بهذه الدرجات الثلاثة ختم الكلام بقوله :
إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
فقوله :
عَلِيمٌ
إشارة إلى قوله :
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
[ الأنعام : 124 ] وقوله :
حَكِيمٌ
إشارة إلى أن اللَّه تعالى مقدس عن السفه والعبث ، لا يضع النبوة إلا في نفس قدسية وجوهرة مشرقة علوية . فإن قيل : هذه البشارات التي ذكرها يعقوب عليه السلام هل كان قاطعا بصحتها أم لا ؟ فإن كان قاطعا بصحتها ، فكيف حزن على يوسف عليه السلام ، وكيف جاز أن يشتبه عليه أن الذئب أكله ، وكيف خاف عليه من