الجزء الثامن عشر
[ تتمة سورة هود ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 45 إلى 47 ]
وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ( 45 ) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 46 ) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 47 )
وفيه مسألتان :
[ في قوله تعالى
وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ
] المسألة الأولى : اعلم أن قوله :
رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي
فقد ذكرنا الخلاف في أنه هل كان ابنا له أم لا فلا نعيده ، ثم إنه تعالى ذكر أنه قال :
يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ
واعلم أنه لما ثبت بالدليل أنه كان ابنا له وجب حمل قوله :
إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ
على أحد وجهين : أحدهما : أن يكون المراد أنه ليس من أهل دينك .
والثاني : المراد أنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك والقولان متقاربان .
المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أن العبرة بقرابة الدين لا بقرابة النسب فإن في هذه الصورة / كانت قرابة النسب حاصلة من أقوى الوجوه ولكن لما انتفت قرابة الدين لا جرم نفاه اللَّه تعالى بأبلغ الألفاظ وهو قوله :
إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ
.
ثم قال تعالى :
إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ
قرأ الكسائي : عمل على صيغة الفعل الماضي ، وغير بالنصب ، والمعنى : إن ابنك عمل عملا غير صالح يعني أشرك وكذب ، وكلمة
غَيْرُ
نصب ، لأنها نعت لمصدر محذوف ، وقرأ الباقون : عمل بالرفع والتنوين ، وفيه وجهان : الأول : أن الضمير في قوله إنه عائد إلى السؤال ، يعني أن هذا السؤال عمل وهو قوله :
إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ
غير صالح ، لأن طلب نجاة الكافر بعد أن سبق الحكم ، الجزم بأنه لا ينجي أحدا منهم سؤال باطل . الثاني : أن يكون هذا الضمير عائدا إلى الابن ، وعلى هذا التقدير ففي وصفه بكونه عملا غير صالح وجوه : الأول : إن الرجل إذا كثر عمله وإحسانه يقال له : إنه علم وكرم وجود ، فكذا هاهنا لما كثر إقدام ابن نوح على الأعمال الباطلة حكم عليه بأنه في نفسه عمل باطل .
الثاني : أن يكون المراد أنه ذو عمل باطل ، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه . الثالث : قال بعضهم معنى قوله :
إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ
أي إنه ولد زنا وهذا القول باطل قطعا .