وضعوها في رحالهم ، وأما هذا الصواع فإن أحدا لم يعترف بأنه هو الذي وضع الصواع في رحله فظهر الفرق فلهذا السبب غلب على ظنونهم أنه سرق ، فشهدوا بناء على هذا الظن ، ثم بينهم غير قاطعين بهذا الأمر بقولهم :
وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ
.
والوجه الثاني : في الجواب أن تقدير الكلام
إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ
في قول الملك وأصحابه ومثله كثير في القرآن . قال تعالى :
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
[ هود : 87 ] أي عند نفسك ، وقال تعالى :
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
[ الدخان : 49 ] أي عند نفسك وأما عندنا فلا فكذا هاهنا .
الوجه الثالث : في الجواب أن ابنك ظهر عليه ما يشبه السرقة ومثل هذا الشيء يسمى سرقة فإن إطلاق اسم أحد الشبيهين على الشبيه الآخر جائز في القرآن قال تعالى :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشورى : 40 ] .
الوجه الرابع : أن القوم ما كانوا أنبياء في ذلك الوقت فلا يبعد أن يقال : إنهم ذكروا هذا الكلام على سبيل المجازفة لا سيما وقد شاهدوا شيئا يوهم ذلك .
الوجه الخامس : أن ابن عباس رضي اللَّه عنهما كان يقرأ
إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ
بالتشديد ، أي نسب إلى السرقة فهذه القراءة لا حاجة بها إلى التأويل لأن القوم نسبوه إلى السرقة ، إلا أنا ذكرنا في هذا الكتاب أن أمثال هذه القراءات لا تدفع السؤال ، لأن الإشكال إنما يدفع إذا قلنا القراءة الأولى باطلة ، والقراءة الحقة هي هذه . أما إذا سلمنا أن القراءة الأولى حقة كان الإشكال باقيا سواء صحت هذه القراءة الثانية أو لم تصح ، فثبت أنه لا بد من الرجوع إلى أحد الوجوه المذكورة / أما قوله :
وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا
فمعناه ظاهر لأنه يدل على أن الشهادة غير العلم بدليل قوله تعالى :
وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا
وذلك يقتضي كون الشهادة مغايرة للعلم
ولأنه عليه السلام قال : إذا علمت مثل الشمس فاشهد ،
وذلك أيضا يقتضي ما ذكرناه وليست الشهادة أيضا عبارة عن قوله أشهد لأن قوله أشهد إخبار عن الشهادة والإخبار عن الشهادة غير الشهادة .
إذا ثبت هذا فنقول : الشهادة عبارة عن الحكم الذهني وهو الذي يسميه المتكلمون بكلام النفس ، وأما قوله :
وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ
ففيه وجوه : الأول : أنا قد رأينا أنهم أخرجوا الصواع من رحله ، وأما حقيقة الحال فغير معلومة لنا فإن الغيب لا يعلمه إلا اللَّه . والثاني : قال عكرمة معناه : لعل الصواع دس في متاعه بالليل ، فإن الغيب اسم لليل على بعض اللغات . والثالث : قال مجاهد والحسن وقتادة : وما كنا نعلم أن ابنك يسرق ، ولو علمنا ذلك ما ذهبنا به إلى الملك وما أعطيناك موثقا من اللَّه في رده إليك . والرابع :
نقل أن يعقوب عليه السلام قال لهم : فهب أنه سرق ولكن كيف عرف الملك أن شرع بني إسرائيل أن من سرق يسترق ، بل أنتم ذكرتموه له لغرض لكم
فقالوا عند هذا الكلام : أنا قد ذكرنا له هذا الحكم قبل وقوعنا في هذه الواقعة وما كنا نعلم أن هذه الواقعة نقع فيها فقوله :
وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ
إشارة إلى هذا المعنى .
فإن قيل : فهل يجوز من يعقوب عليه السلام أن يسعى في إخفاء حكم اللَّه تعالى على هذا القول .
قلنا : لعله كان ذلك الحكم مخصوصا بما إذا كان المسروق منه مسلما فلهذا أنكر ذكر هذا الحكم عند الملك الذي ظنه كافرا .
ثم حكى تعالى عنهم أنهم قالوا :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها
.