تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 467

مساهمون:

ص٤٦٧
رَبِّكَ
ليظهر أيضا هذا المعنى لذلك الشرابي ، فإنه هو الذي كان واسطة في الحالتين معا . أما قوله :
فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ
ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير والكسائي فسله بغير همز والباقون
فَسْئَلْهُ
بالهمز ، وقرأ عاصم برواية أبي بكر عنه
النِّسْوَةِ
بضم النون والباقون بكسر النون ، وهما لغتان . المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآية فيها أنواع من اللطائف : أولها : أن معنى الآية : فسل الملك يأن يسأل ما شأن تلك النسوة وما حالهن ليعلم براءتي عن تلك التهمة ، إلا أنه اقتصر على أن يسأل الملك عن تلك الواقعة لئلا يشتمل اللفظ على ما يجري مجرى أمر الملك بعمل أو فعل وثانيها : أنه لم يذكر سيدته مع أنها هي التي سعت في إلقائه في السجن الطويل ، بل اقتصر على ذكر سائر النسوة . وثالثها : أن الظاهر أن أولئك النسوة نسبته إلى عمل قبيح وفعل شنيع عند الملك ، فاقتصر يوسف عليه السلام على مجرد قوله :
ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ
وما شكا منهن على سبيل التعيين والتفصيل . ثم قال يوسف بعد ذلك :
إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ
وفي المراد من قوله :
إِنَّ رَبِّي
وجهان : الأول : أنه هو اللَّه تعالى ، لأنه تعالى هو العالم بخفيات الأمور . والثاني : أن المراد الملك وجعله ربا لنفسه لكونه مربيا وله وفيه إشارة إلى كون ذلك الملك عالما بكيدهن ومكرهن . واعلم أن كيدهن في حقه يحتمل وجوها : أحدها : أن كل واحدة منهن ربما طمعت فيه ، / فلما لم تجد المطلوب أخذت تطعن فيه وتنسبه إلى القبيح . وثانيها : لعل كل واحدة منهن بالغت في ترغيب يوسف في موافقة سيدته على مرادها ، ويوسف علم أن مثل هذه الخيانة في حق السيد المنعم لا تجوز ، فأشار بقوله :
إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ
إلى مبالغتهن في الترغيب في تلك الخيانة . وثالثها : أنه استخرج منهن وجوها من المكر والحيل في تقبيح صورة يوسف عليه السلام عند الملك فكان المراد من هذا اللفظ ذاك ، ثم إنه تعالى حكى عن يوسف عليه السلام أنه لما التمس ذلك ، أمر الملك بإحضارهن وقال لهن :
ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ
وفيه وجهان : الأول : أن قوله :
إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ
وإن كانت صيغة الجمع ، فالمراد منها الواحدة كقوله تعالى :
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
[ آل عمران : 173 ] والثاني : أن المراد منه خطاب الجماعة . ثم هاهنا وجهان : الأول : أن كل واحدة منهن راودت يوسف عن نفسها . والثاني : أن كل واحدة منهن راودت يوسف لأجل امرأة العزيز فاللفظ محتمل لكل هذه الوجوه ، وعند هذا السؤال
قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ
وهذا كالتأكيد لما ذكرن في أول الأمر في حقه وهو قولهن :
ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ
. واعلم أن امرأة العزيز كانت حاضرة ، وكانت تعلم أن هذه المناظرات والتفحصات إنما وقعت بسببها ولأجلها فكشفت عن الغطاء وصرحت بالقول الحق وقالت :
الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ
وفيه مسائل : المسألة الأولى : هذه شهادة جازمة من تلك المرأة بأن يوسف صلوات اللَّه عليه كان مبرأ عن كل الذنوب مطهرا عن جميع العيوب ، وهاهنا دقيقة ، وهي أن يوسف عليه السلام راعى جانب امرأة العزيز حيث قال :
ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ
فذكرهن ولم يذكر تلك المرأة البتة فعرفت المرأة أنه إنما ترك ذكرها رعاية