عَلَّمَنِي رَبِّي
وفي قوله :
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي
ما يدل على ذلك .
ثم قال تعالى :
ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي
أي لست أخبركما على جهة الكهانة والنجوم ، وإنما أخبرتكما بوحي من اللَّه وعلم حصل بتعليم اللَّه .
ثم قال :
إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لقائل أن يقول : في قوله :
إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
توهم أنه عليه السلام كان في هذه الملة . فنقول جوابه من وجوه : الأول : أن الترك عبارة عن عدم التعرض للشيء وليس من شرطه أن يكون قد كان خائضا فيه . والثاني : وهو الأصح أن يقال إنه عليه السلام كان عبدا لهم بحسب زعمهم واعتقادهم الفاسد ، ولعله قبل ذلك كان لا يظهر التوحيد والإيمان خوفا منهم على سبيل التقية ، ثم إنه أظهره في هذا الوقت ، فكان هذا جاريا مجرى ترك ملة أولئك الكفرة بحسب الظاهر .
المسألة الثانية : تكرير لفظ ( هم ) في قوله :
وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ
لبيان اختصاصهم بالكفر ، ولعل إنكارهم للمعاد كان أشد من إنكارهم للمبدأ ، فلأجل مبالغتهم في إنكار المعاد كرر هذا اللفظ للتأكيد .
واعلم أن قوله :
إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
إشارة إلى علم المبدأ . وقوله :
وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ
إشارة إلى علم المعاد ، ومن تأمل في القرآن المجيد وتفكر في كيفية دعوة الأنبياء عليهم السلام علم أن المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب صرف الخلق إلى الإقرار بالتوحيد وبالمبدأ والمعاد ، وإن ما وراء ذلك عبث .
ثم قال تعالى :
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ
وفيه سؤالات :
السؤال الأول : ما الفائدة في ذكر هذا الكلام .
الجواب : أنه عليه السلام لما ادعى النبوة وتحدى بالمعجزة وهو علم الغيب قرن به كونه من أهل بيت النبوة ، وأن أباه وجده وجد أبيه كانوا أنبياء اللَّه ورسله ، فإن الإنسان متى ادعى حرفة / أبيه وجده لم يستبعد ذلك منه ، وأيضا فكما أن درجة إبراهيم عليه السلام وإسحاق ويعقوب كان أمرا مشهورا في الدنيا ، فإذا ظهر أنه ولدهم عظموه ونظروا إليه بعين الإجلال ، فكان انقيادهم له أتم وتأثر قلوبهم بكلامه أكمل .
السؤال الثاني : لما كان نبيا فكيف قال : إني اتبعت ملة آبائي ، والنبي لا بد وأن يكون مختصا بشريعة نفسه .
قلنا : لعل مراده التوحيد الذي لم يتغير ، وأيضا لعله كان رسولا من عند اللَّه ، إلا أنه كان على شريعة إبراهيم عليه السلام .
السؤال الثالث : لم قال :
ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
وحال كل المكلفين كذلك ؟
والجواب : ليس المراد بقوله :
ما كانَ لَنا
أنه حرم ذلك عليهم ، بل المراد أنه تعالى ظهر آباءه عن الكفر ، ونظيره قوله :
ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ
[ مريم : 35 ] .
السؤال الرابع : ما الفائدة في قوله :
مِنْ شَيْءٍ
.
الجواب : أن أصناف الشرك كثيرة ، فمنهم من يعبد الأصنام ، ومنهم من يعبد النار ، ومنهم من يعبد