تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
تعالى لما خاطب العابدين والمعبودين بقوله :
مَكانَكُمْ
صاروا شركاء في هذا الخطاب . البحث الثاني : اختلفوا في المراد بهؤلاء الشركاء فقال بعضهم : هم الملائكة ، واستشهدوا بقوله تعالى :
يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ
[ سبأ : 40 ] ومنهم من قال : بل هي الأصنام ، والدليل عليه : أن هذا الخطاب مشتمل على التهديد والوعيد ، وذلك لا يليق بالملائكة المقربين ، ثم اختلفوا في أن هذه الأصنام كيف ذكرت هذا الكلام فقال بعضهم : إن اللَّه تعالى يخلق الحياة والعقل والنطق فيها ، فلا جرم قدرت على ذكر هذا الكلام . وقال آخرون إنه تعالى يخلق فيها الكلام من غير أن يخلق فيها الحياة حتى يسمع منها ذلك الكلام ، وهو ضعيف ، لأن ظاهر قوله :
وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ
يقتضي أن يكون فاعل ذلك القول هم الشركاء . فإن قيل : إذا أحياهم اللَّه تعالى فهل يبقيهم أو يفنيهم ؟ قلنا : الكل محتمل ولا اعتراض على اللَّه في شيء من أفعاله ، وأحوال القيامة غير معلومة ، إلا القليل الذي أخبر اللَّه تعالى عنه في القرآن . والقول الثالث : إن المراد بهؤلاء الشركاء ، كل من عبد من دون اللَّه تعالى ، من صنم وشمس وقمر وأنسي وجني وملك . البحث الثالث : هذا الخطاب لا شك أنه تهديد في حق العابدين ، فهل يكون تهديدا في حق المعبودين . أما المعتزلة : فإنهم قطعوا بأن ذلك لا يجوز قالوا : لأنه لا ذنب للمعبود ، ومن لا ذنب له ، فإنه يقبح من اللَّه تعالى أن يوجه التخويف والتهديد والوعيد إليه . وأما أصحابنا ، فإنهم قالوا إنه تعالى لا يسئل عما يفعل . البحث الرابع : أن الشركاء قالوا :
ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ
وهم كانوا قد عبدوهم ، فكان هذا كذبا ، وقد ذكرنا في سورة الأنعام اختلاف الناس في أن أهل القيامة هل يكذبون أم لا ، وقد تقدمت هذه المسألة على الاستقصاء ، والذي نذكره هاهنا ، أن منهم من قال : إن المراد من قولهم
ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ
هو أنكم ما عبدتمونا بأمرنا وإرادتنا ؟ قالوا : والدليل على أن المراد ما ذكرناه وجهان : الأول : أنهم استشهدوا باللَّه في ذلك حيث قالوا :
فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ
والثاني : أنهم قالوا :
إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ
فأثبتوا لهم عبادة ، إلا أنهم زعموا أنهم كانوا غافلين عن تلك العبادة ، وقد صدقوا في ذلك ، لأن من أعظم أسباب الغفلة كونها جمادات لا حس لها بشيء ولا شعور البتة . ومن الناس من أجرى الآية على ظاهرها وقالوا : إن الشركاء أخبروا أن الكفار ما عبدوها ، ثم ذكروا فيه وجوها : الأول : أن ذلك الموقف موقف الدهشة والحيرة ، فذلك الكذب يكون جاريا مجرى كذب الصبيان ، ومجرى كذب المجانين والمدهوشين . والثاني : أنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزنا وجعلوها لبطلانها كالعدم ، ولهذا المعنى قالوا : إنهم ما عبدونا . والثالث : أنهم تخيلوا في الأصنام التي عبدوها صفات كثيرة ، فهم في الحقيقة إنما عبدوا ذوات موصوفة بتلك الصفات ، ولما كانت ذواتها خالية عن تلك الصفات ، فهم ما عبدوها وإنما عبدوا أمورا تخيلوها ولا وجود لها في الأعيان ، وتلك الصفات التي تخيلوها في أصنامهم أنها تضر وتنفع وتشفع عند اللَّه بغير إذنه .

[ سورة يونس ( 10 ) : آية 30 ]

هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 30 )
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 245 | فخر الدين الرازي