قال : والذي يدل على صحته : القرآن وأقوال المفسرين .
أما القرآن : فقوله تعالى :
لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
[ فاطر : 30 ] .
وأما أقوال المفسرين :
فنقل عن علي رضي اللَّه عنه أنه قال : الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة .
وعن ابن عباس : أن الحسنى هي الحسنة ، والزيادة عشر أمثالها وعن الحسن : عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وعن مجاهد : الزيادة مغفرة اللَّه ورضوانه . وعن يزيد بن سمرة : الزيادة أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول :
ما تريدون أن أمطركم فلا يريدون شيئا إلا أمطرتهم . أجاب أصحابنا عن هذه الوجوه فقالوا : أما قولكم إن الدلائل العقلية دلت على امتناع رؤية اللَّه تعالى فهذا ممنوع ، لأنا بينا في كتب الأصول أن تلك الدلائل في غاية الضعف ونهاية السخافة ، وإذا لم يوجد في العقل ما يمنع من رؤية اللَّه تعالى وجاءت الأخبار الصحيحة بإثبات الرؤية ، وجب إجراؤها على ظواهرها . أما قوله الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه فنقول : المزيد عليه ، إذا كان مقدرا بمقدار معين ، وجب أن تكون الزيادة عليه مخالفة له .
مثال الأول : قول الرجل لغيره : أعطيتك عشرة أمداد من الحنطة وزيادة ، فههنا يجب أن تكون تلك الزيادة من الحنطة .
ومثال الثاني : قوله أعطيتك الحنطة وزيادة ، فههنا يجب أن تكون تلك الزيادة غير الحنطة ، والمذكور في هذه الآية لفظ
الْحُسْنى
وهي الجنة ، وهي مطلقة غير مقدرة بقدر معين ، فوجب أن تكون تلك الزيادة عليها شيئا مغايرا لكل ما في الجنة . وأما قوله : الخبر المذكور في هذا الباب ، اشتمل على لفظ النظر ، وعلى إثبات الوجه للَّه تعالى ، وكلاهما يوجبان التشبيه فنقول : هذا الخبر أفاد إثبات الرؤية ، وأفاد إثبات الجسمية . ثم قام الدليل على أنه ليس بجسم ، ولم يقم الدليل على امتناع رؤيته ، فوجب ترك العمل بما قام الدليل على فساده فقط ، وأيضا فقد بينا أن لفظ هذه الآية / يدل على أن الزيادة هي الرؤية من غير حاجة تنافي تقرير ذلك الخبر ، واللَّه أعلم .
واعلم أنه تعالى لما شرح ما يحصل لأهل الجنة من السعادات ، شرح بعد ذلك الآفات التي صانهم اللَّه بفضله عنها ، فقال :
وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ
والمعنى : لا يغشاها قتر ، وهي غبرة فيها سواد
وَلا ذِلَّةٌ
ولا أثر هوان ولا كسوف .
فالصفة الأولى : هي قوله تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ
[ عبس : 40 ] .
والصفة الثانية : هي قوله تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ * عامِلَةٌ ناصِبَةٌ
[ الغاشية : 2 ، 3 ] والغرض من نفي هاتين الصفتين ، نفي أسباب الخوف والحزن والذل عنهم ، ليعلم أن نعيمهم الذي ذكره اللَّه تعالى خالص غير مشوب بالمكروهات ، وأنه لا يجوز عليهم ما إذا حصل غير صفحة الوجه ، ويزيل ما فيها من النضارة والطلاقة ، ثم بين أنهم خالدون في الجنة لا يخافون الانقطاع .
واعلم أن علماء الأصول قالوا : الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ، فقوله :
وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ
[ يونس : 25 ] يدل على غاية التعظيم . وقوله :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ
يدل على حصول المنفعة وقوله :
وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ
يدل على كونها خالصة وقوله :
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
إشارة إلى كونها دائمة آمنة من الانقطاع واللَّه أعلم .