القصة الأولى قصة نوح عليه السلام
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 25 إلى 26 ]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 25 ) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ( 26 )
[ في قوله تعالى
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ
] اعلم أنه تعالى قد بدأ بذكر هذه القصة في سورة يونس وقد أعادها في هذه السورة أيضا لما فيها من زوائد الفوائد وبدائع الحكم ، وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي أني بفتح الهمزة ، والمعنى : أرسلنا نوحا بأني لكم نذير مبين ، ومعناه أرسلناه ملتبسا بهذا الكلام وهو قوله : أني لكم نذير مبين فلما اتصل به حرف الجر وهو الباء فتح كما فتح في كان ، وأما سائر القراء فقرءوا
إِنِّي
بالكسر على معنى قال
إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ
.
المسألة الثانية : قال بعضهم : المراد من النذير كونه مهددا للعصاة بالعقاب ، ومن المبين كونه مبينا ما أعد اللَّه للمطيعين من الثواب ، والأولى أن يكون المعنى أنه نذير للعصاة من العقاب وأنه مبين بمعنى أنه بين ذلك الإنذار على الطريق الأكمل والبيان الأقوى الأظهر ، ثم بين تعالى أن ذلك الإنذار إنما حصل في النهي عن عبادة غير اللَّه وفي الأمر بعبادة اللَّه لأن قوله :
أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
استثناء من النفي وهو يوجب نفي غير المستثنى .
واعلم أن تقدير الآية كأنه تعالى قال ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه بهذا الكلام وهو قوله :
إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ
.
ثم قال :
أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
فقوله :
أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
بدل من قوله :
إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ
ثم إنه أكد ذلك بقوله :
إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ
والمعنى أنه لما حصل الألم العظيم في ذلك اليوم أسند ذلك الألم إلى اليوم ، كقولهم نهارك صائم ، وليلك قائم .
[ سورة هود ( 11 ) : آية 27 ]
فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ ( 27 )
اعلم أنه تعالى لما حكى عن نوح عليه السلام أنه دعا قومه إلى عبادة اللَّه تعالى حكى عنهم أنهم طعنوا في نبوته بثلاثة أنوع من الشبهات .
فالشبهة الأولى : أنه بشر مثلهم ، والتفاوت الحاصل بين آحاد البشر يمتنع انتهاؤه إلى حيث يصير الواحد منهم واجب الطاعة لجميع العالمين .
والشبهة الثانية : كونه ما أتبعه إلا أراذل من القوم كالحياكة وأهل الصنائع الخسيسة ، قالوا ولو كنت صادقا لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم ، ونظيره قوله تعالى في سورة الشعراء
أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
[ الشعراء : 111 ] .
والشبهة الثالثة : قوله تعالى :
وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ
والمعنى : لا نرى لكم علينا من فضل لا في العقل ولا في رعاية المصالح العاجلة ولا في قوة الجدل فإذا لم نشاهد فضلك علينا في شيء من هذه الأحوال