تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
إلا عن القرآن ، فوجدت اللَّه تعالى يقول :
وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ
وقال بعضهم : لما دلت الآية على أن من يكفر به فالنار موعده ، دلت على أن من لا يكفر به لم تكن النار موعده . ثم قال تعالى :
فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
ففيه قولان : الأول : فلا تك في مرية من صحة هذا الدين ، ومن كون القرآن نازلا من عند اللَّه تعالى ، فكان متعلقا بما تقدم من قوله تعالى :
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ
[ هود : 13 ] الثاني : فلا تك في مرية من أن موعد الكافر النار أو قرئ مرية بضم الميم . ثم قال :
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ
والتقدير : لما ظهر الحق ظهورا في الغاية ، فكن أنت متابعا له ولا تبال بالجهال سواء آمنوا أو لم يؤمنوا ، والأقرب أن يكون المراد لا يؤمنون بما تقدم ذكره من وصف القرآن .

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 18 إلى 19 ]

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 18 ) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 19 ) [ قوله تعالى
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
] اعلم أن الكفار كانت لهم عادات كثيرة وطرق مختلفة ، فمنها شدة حرصهم على الدنيا ورغبتهم في تحصيلها ، وقد أبطل اللَّه هذه الطريقة بقوله :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها
[ هود : 15 ] إلى آخر الآية ، ومنها أنهم كانوا ينكرون نبوة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، ويقدحون في معجزاته ، وقد أبطل اللَّه تعالى بقوله :
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ
[ هود : 17 ] ومنها أنهم كانوا يزعمون في الأصنام أنها شفعاؤهم عند اللَّه ، وقد أبطل اللَّه تعالى ذلك بهذه الآية ، وذلك لأن هذا الكلام افتراء على اللَّه تعالى ، فلما بين وعيد المفترين على اللَّه ، فقد دخل فيه هذا الكلام . واعلم أن قوله :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
إنما يورد في معرض المبالغة . وفيه دلالة على أن الافتراء على اللَّه تعالى أعظم أنواع الظلم . ثم إنه تعالى بين وعيد هؤلاء بقوله :
أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ
[ إلى آخر الآية ] وما وصفهم بذلك لأنهم مختصون بذلك العرض ، لأن العرض عام في كل العباد كما قال :
وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا
[ الكهف : 48 ] وإنما أراد به أنهم يعرضون فيفتضحون بأن يقول الأشهاد عند عرضهم
هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ
فحصل لهم من الخزي والنكال ما لا مزيد عليه ، وفيه سؤالات : السؤال الأول : إذا لم يجز أن يكون اللَّه تعالى في مكان ، فكيف قال :
يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ
والجواب : أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب والسؤال ، ويجوز أيضا أن يكون ذلك عرضا على من شاء اللَّه من الخلق بأمر اللَّه من الملائكة والأنبياء والمؤمنين . السؤال الثاني : من الأشهاد الذين أضيف إليهم هذا القول ؟ الجواب قال مجاهد : هم الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا . وقال قتادة ومقاتل :
الْأَشْهادُ
الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد ، يعني على رؤوس الناس . وقال الآخرون : هم الأنبياء عليهم