تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
اعلم أن هذا الكلام غني عن التفسير وفيه سؤال وأحد ، وهو أن القوم لما قالوا :
إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ
فكيف حكى موسى عليه السلام أنهم قالوا :
أَ سِحْرٌ هذا
على سبيل الاستفهام ؟ وجوابه : أن موسى عليه السلام ما حكى عنهم أنهم قالوا :
أَ سِحْرٌ هذا
بل قال :
أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ
ما تقولون ، ثم حذف عنه مفعول
أَ تَقُولُونَ
لدلالة الحال عليه ، ثم قال مرة أخرى
أَ سِحْرٌ هذا
وهذا استفهام على سبيل الإنكار ، ثم احتج على أنه ليس بسحر ، وهو قوله :
وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ
يعني أن حاصل صنعهم تخييل وتمويه
وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ
وأما قلب العصا حية وفلق البحر ، فمعلوم بالضرورة أنه ليس من باب التخييل والتمويه فثبت أنه ليس بسحر .

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 78 إلى 82 ]

قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ ( 78 ) وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ( 79 ) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ ( 80 ) فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ( 81 ) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ( 82 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى حكى عن فرعون وقومه أنهم لم يقبلوا دعوة موسى عليه السلام ، وعللوا عدم القبول بأمرين : الأول : قوله :
أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا
قال الواحدي : اللفت في أصل اللغة الصرف عن أمر ، وأصله اللي يقال : لفت عنقه إذا لواها ، ومن هذا يقال : التفت إليه ، أي أمال وجهة إليه قال الأزهري : لفت الشيء وفتله إذا لواه ، وهذا من المقلوب . واعلم أن حاصل هذا الكلام أنهم قالوا : لا نترك الدين الذي نحن عليه ، لأنا وجدنا آبائنا عليه ، فقد تمسكوا بالتقليد ودفعوا الحجة الظاهرة بمجرد الإصرار . والسبب الثاني : في عدم القبول قوله :
وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ
قال المفسرون : المعنى ويكون لكما الملك والعز في أرض مصر ، والخطاب لموسى وهارون . قال الزجاج : سمى الملك كبرياء ، لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا ، وأيضا فالنبي إذا اعترف القوم بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه ، فصار أكبر القوم . واعلم أن السبب الأول : إشارة إلى التمسك بالتقليد ، والسبب الثاني : إشارة إلى الحرص على طلب الدنيا ، والجد في بقاء الرياسة ، ولما ذكر القوم هذين السببين صرحوا بالحكم وقالوا :
وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ
. واعلم أن القوم لما ذكروا هذه المعاني حاولوا بعد ذلك ، وأرادوا أن يعارضوا معجزة موسى عليه السلام بأنواع من السحر ، ليظهروا عند الناس أن ما أتى به موسى من باب السحر ، فجمع فرعون السحرة وأحضرهم ، فقال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون . فإن قيل : كيف أمرهم بالكفر والسحر والأمر بالكفر كفر ؟