باصرة ، وآذان سامعة ، ومتى كان الأمر كذلك لم تكن قادرة على الإنفاع والإضرار ، فامتنع كونها آلهة . أما إله العالم تعالى وتقدس فهو وإن كان متعالياً عن هذه الجوارح والأعضاء إلا أنه موصوف بكمال القدرة على النفع والضرر وهو موصوف بكمال السمع والبصر فظهر الفرق بين البابين .
أما قوله تعالى :
قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ
قال الحسن : إنهم كانوا يخوفون الرسول عليه السلام بآلهتهم ، فقال تعالى :
قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ
ليظهر لكم أنه لا قدرة لها على إيصال المضار إلي بوجه من الوجوه ، وأثبت نافع وأبو عمرو الياء في كيدوني والباقون حذفوها ومثله في قوله :
فَلا تُنْظِرُونِ
قال الواحدي ، والقول فيه أن الفواصل تشبه القوافي ، وقد حذفوا هذه الياءات إذا كانت في القوافي كقوله :
يلمس الإحلاس في منزله * بيديه كاليهودي الممل
والذين أثبتوها فلأن الأصل هو الإثبات ، ومعنى قوله :
فَلا تُنْظِرُونِ
أي لا تمهلوني واعجلوا في كيدي أنتم وشركاؤكم .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 196 إلى 198 ]
إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ( 196 ) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ( 197 ) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ( 198 )
[ في قوله تعالى
إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ
] اعلم أنه لما بين في الآيات المتقدمة أن هذه الأصنام لا قدرة لها على النفع والضر بين بهذه الآية أن الواجب على كل عاقل عبادة اللَّه تعالى ، لأنه هو الذي يتولى تحصيل منافع الدنيا أما تحصيل منافع الدين ، فبسبب إنزال الكتاب ، وأما تحصيل منافع الدنيا ، فهو المراد بقوله :
وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه اللَّه : قرأ القراء وليي بثلاث ياءات ، الأولى ياء فعيل وهي ساكنة ، والثانية لام الفعل وهي كسورة ، قد أدغمت الأولى فيها فصار ياء مشددة ، والثالثة ياء الإضافة ، وروي عن أبي عمرو : ولي اللَّه بياء مشددة ، ووجه ذلك أنه حذف الياء التي هي لام فعيل ، كما حذف اللام من قولهم فاماليت به فاله ، ثم أدغمت ياء فعيل في ياء الإضافة ، فقيل ولي اللَّه وهذه الفتحة فتحة ياء الإضافة ، وأما الباقون فأجازوا اجتماع ثلاث ياءات ، واللَّه أعلم .
المسألة الثانية : أن وليي اللَّه أي الذي يتولى حفظي ونصرتي هو اللَّه الذي أنزل الكتاب المشتمل على هذه العلوم العظيمة النافعة في الدين ويتولى الصالحين ينصرهم ، فلا تضرهم عداوة من عاداهم ، وفي ذلك يأمن المشركين من أن يضره كيدهم . وسمعت أن عمر بن عبد العزيز ما كان يدخر لأولاده شيئاً ، فقيل له فيه فقال :
ولدي إما أن يكون من الصالحين أو من المجرمين ، فإن كان من الصالحين فوليه اللَّه ومن كان اللَّه له ولياً فلا حاجة له إلى مالي ، وإن كان من المجرمين فقد قال تعالى :
فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ
[ القصص : 17 ] ومن رده اللَّه لم أشتغل بإصلاح مهماته .
أما قوله :
وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ
ففيه قولان :
القول الأول : أن المراد منه وصف الأصنام بهذه الصفات .