تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
قلنا : هذا غير لازم ، لأن النهي عن المنكر إنما يجب على الكفاية . فإذا قام به البعض سقط عن الباقين ، ثم ذكر أنه تعالى أخذهم بعذاب بئيس ، والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر ذكره . وقوله :
بِعَذابٍ بَئِيسٍ
أي شديد وفي هذه اللفظة قراءات : أحدها :
بَئِيسٍ
بوزن فعيل . قال أبو علي : وفيه وجهان : الأول : أن يكون فعيلًا من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد . والآخر : ما قاله أبو زيد ، وهو أنه من البؤس وهو الفقر يقال بئس الرجل يبأس بؤساً وبأساً وبئيساً إذا افتقر فهو بائس ، أي فقير . فقوله :
بِعَذابٍ بَئِيسٍ
أي ذي بؤس . والقراءة الثانية ( بئس ) بوزن حذر . والثالثة : ( بيس ) على قلب الهمزة ياء ، كالذيب في ذئب ، والرابعة : ( بيئس ) على فيعل . والخامسة : ( بيس ) كوزن / ريس على قلب همزة بئيس ياء وإدغام الياء فيها . والسادسة : ( بيس ) على تخفيف بيس كهين في هين ، وهذه القراءات نقلها صاحب « الكشاف » . ثم بين تعالى أنهم مع نزول هذا العذاب بهم تمردوا . فقال عز من قائل :

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 166 ]

فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ( 166 ) وفيه مباحث : البحث الأول : العتو عبارة عن الإباء والعصيان ، وإذا عتوا عما نهوا عنه فقد أطاعوا ، لأنهم أبوا عما نهوا عنه ، ومعلوم أنه ليس المراد ذلك فلا بد من إضمار ، والتقدير : فلما عتوا عن ترك ما نهوا عنه ، ثم حذف المضاف ، وإذا أبوا ترك المنهي كان ذلك ارتكاباً للمنهى . البحث الثاني : من الناس من قال : إن قوله :
قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً
ليس من المقال ، بل المراد منه : أنه تعالى فعل ذلك . قال : وفيه دلالة على أن قوله :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ النحل : 40 ] هو بمعنى الفعل لا الكلام . وقال الزجاج : أمروا بأن يكونوا كذلك بقول سمع فيكون أبلغ . واعلم أن حمل هذا الكلام على هذا بعيد ، لأن المأمور بالفعل يجب أن يكون قادراً عليه ، والقوم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم قردة . البحث الثالث : قال ابن عباس : أصبح القوم وهم قردة صاغرون ، فمكثوا كذلك ثلاثاً فرآهم الناس ثم هلكوا . ونقل عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما : أن شباب القوم صاروا قردة ، والشيوخ خنازير ، وهذا القول على خلاف الظاهر . واختلفوا في أن الذين مسخوا هل بقوا قردة ؟ وهل هذه القردة من نسلهم أو هلكوا ، وانقطع نسلهم ، ولا دلالة في الآية عليه ، والكلام في المسخ وما فيه من المباحثات قد سبق بالاستقصاء في سورة البقرة . واللَّه أعلم .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 167 ]

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 167 ) اعلم أنه تعالى لما شرح هاهنا بعض مصالح أعمال اليهود وقبائح أفعالهم ذكر في هذه الآية أنه تعالى حكم عليهم بالذل والصغار إلى يوم القيامة ، قال سيبويه : أذن أعلم . وأذن نادى وصاح لإعلام ومنه قوله تعالى :
فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ
[ الأعراف : 44 ] وقوله :
تَأَذَّنَ
بمعنى أذن أي أعلم . ولفظة تفعل ، هاهنا ليس