بعضهم : هما سورة واحدة لأن كلتيهما نزلت في القتال ومجموعهما هذه السورة السابعة من الطوال وهي سبع ، وما بعدها المئون . وهذا قول ظاهر لأنهما معاً مائتان وست آيات ، فهما بمنزلة سورة واحدة . ومنهم من قال هما سورتان ، فلما ظهر الاختلاف بين الصحابة في هذا الباب تركوا بينهما فرجة تنبيهاً على قول من يقول هما سورتان ، وما كتبوا بسم اللَّه الرحمن الرحيم بينهما تنبيهاً على قول من يقول هما سورة واحدة ، وعلى هذا القول لا يلزمنا تجويز مذهب الإمامية ، وذلك لأنه لما وقع الاشتباه في هذا المعنى بين الصحابة لم يقطعوا بأحد القولين ، وعملوا عملًا يدل على أن هذا الاشتباه كان حاصلًا ، فلما لم يتسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم كانوا مشددين في ضبط القرآن عن التحريف والتغيير ، وذلك يبطل قول الإمامية .
الوجه الرابع : في هذا الباب : أنه تعالى ختم سورة الأنفال بإيجاب أن يوالي المؤمنون بعضهم بعضاً وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية ، ثم إنه تعالى صرح بهذا المعنى في قوله :
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
[ التوبة :
1 ] فلما كان هذا عين ذلك الكلام وتأكيداً له وتقريراً له ، لزم وقوع الفاصل بينهما ، فكان إيقاع الفصل بينهما تنبيهاً على كونهما سورتين متغايرتين ، وترك كتب بسم اللَّه الرحمن الرحيم بينهما تنبيهاً على أن هذا المعنى هو عين ذلك المعنى .
الوجه الخامس :
قال ابن عباس : سألت علياً رضي اللَّه عنه : لم لم يكتب بسم اللَّه الرحمن الرحيم بينهما ؟
قال : لأن بسم اللَّه الرحمن الرحيم أمان ، وهذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود / وليس فيها أمان .
و
يروى أن سفيان بن عيينة ذكر هذا المعنى ، وأكده بقوله تعالى :
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً
[ النساء : 94 ] فقيل له : أليس أن النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم كتب إلى أهل الحرب بسم اللَّه الرحمن الرحيم . فأجاب عنه : بأن ذلك ابتداء منه بدعوتهم إلى اللَّه ، ولم ينبذ إليهم عهدهم . ألا تراه قال في آخر الكتاب : « والسلام على من اتبع الهدى »
وأما في هذه السورة فقد اشتملت على المقاتلة ونبذ العهود فظهر الفرق .
والوجه السادس : قال أصحابنا : لعل اللَّه تعالى لما علم من بعض الناس أنهم يتنازعون في كون بسم اللَّه الرحمن الرحيم من القرآن ، أمر بأن لا تكتب هاهنا ، تنبيهاً على كونها آية من أول كل سورة ، وأنها لما لم تكن آية من هذه السورة ، لا جرم لم تكتب ، وذلك يدل على أنها لما كتبت في أول سائر السور وجب كونها آية من كل سورة .
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 1 إلى 2 ]
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 1 ) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ ( 2 )
[ في قوله تعالى
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
] وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : معنى البراءة انقطاع العصمة . يقال : برئت من فلان أبرأ براءة ، أي انقطعت بيننا العصمة ولم يبق بيننا علقة ، ومن هنا يقال برئت من الدين ، وفي رفع قوله :
بَراءَةٌ
قولان : الأول : أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذه براءة . قال الفراء : ونظيره قولك إذا نظرت إلى رجل جميل ، جميل واللَّه ، أي هذا جميل واللَّه ، وقوله :
مِنَ
لابتداء الغاية ، والمعنى : هذه براءة واصلة من اللَّه ورسوله إلى الذين عاهدتم ، كما تقول كتاب من فلان إلى فلان . الثاني : أن يكون قوله :
بَراءَةٌ
مبتدأ وقوله :
مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
صفتها وقوله :
إِلَى