المسألة الثانية : احتج هشام بن الحكم على قوله : إنه تعالى لا يعلم الشيء إلا عند حدوثه بهذه الآية ، لأن قوله :
إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً
فعل كذا وكذا شرط وجزاء ، والشرط هو حصول هذا العلم ، والشرط والجزاء لا يصح وجودهما إلا في المستقبل ، وذلك يوجب حدوث علم اللَّه تعالى .
والجواب : أن ظاهر اللفظ وإن كان يقتضي ما ذكره هشام ، إلا أنه لما دل الدليل على أن علم اللَّه يمتنع أن يكون محدثاً وجب أن يقال : ذكر العلم وأراد به المعلوم من حيث إنه يدل حصول العلم على حصول المعلوم .
أما قوله :
يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ
ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال صاحب « الكشاف » : قرأ الحسن
مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ
على البناء للفاعل .
المسألة الثانية : للمفسرين في هذا الخير أقوال :
القول الأول : المراد : الخلف مما أخذ منهم في الدنيا . قال القاضي : لأنه تعالى عطف عليه أمر الآخرة بقوله :
وَيَغْفِرْ لَكُمْ
فما تقدم يجب أن يكون المراد منه منافع الدنيا .
ولقائل أن يقول : إن قوله :
وَيَغْفِرْ لَكُمْ
المراد منه إزالة العقاب ، وعلى هذا التقدير : لم يبعد أن يكون المراد من هذا الخير المذكور أيضاً الثواب والتفضل في الآخرة .
والقول الثاني : المراد من هذا الخير ثواب الآخرة ، فإن قوله :
وَيَغْفِرْ لَكُمْ
المراد منه في الآخرة ، فالخير الذي تقدمه يجب أيضاً أن يكون في الدنيا .
والقول الثالث : أنه محمول على الكل .
فإن قيل : إذا حملتم الخير على خيرات الدنيا ، فهل تقولون إن كل من أخلص من الأسارى قد آتاه اللَّه خيراً مما أخذ منه ؟
قلنا : هكذا يجب أن يكون بحكم الآية ، إلا أنا لا نعلم من المخلص بقلبه . حتى يتوجه علينا فيه السؤال ، ولا نعلم أيضاً من الذي آتاه اللَّه علماً ، وقد علمنا أن قليل الدنيا مع الإيمان أعظم من كثير الدنيا مع الكفر .
ثم قال :
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
وهو تأكيد لما مضى ذكره من قوله :
وَيَغْفِرْ لَكُمْ
والمعنى : كيف لا يفي بوعده المغفرة وأنه غفور رحيم ؟
أما قوله :
وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ
ففيه مسائل :
المسألة الأولى : في تفسير هذه الخيانة وجوه : الأول : أن المراد منه الخيانة في الدين وهو الكفر ، يعني إن كفروا بك فقد خانوا اللَّه من قبل . الثاني : أن المراد من الخيانة منع ما ضمنوا من الفداء . الثالث : روي أنه عليه السلام لما أطلقهم من الأسر عهد معهم أن لا تعودوا إلى محاربته وإلى معاهدة المشركين ، وهذا هو العادة فيمن يطلق من الحبس والأسر ، فقال تعالى :
وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ
أي نكث هذا العهد فقد خانوا اللَّه من قبل ، والمراد أنهم كانوا يقولون
لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
[ يونس : 22 ] و
لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
[ الأعراف : 189 ] ثم إذا وصلوا إلى النعمة وتخلصوا من البلية نكثوا العهد ونقضوا الميثاق ، ولا يمنع دخول الكل فيه ، وإن كان الأظهر هو هذا الأخير .