تعالى :
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
وأجمع المفسرون على أن المراد من عرض الدنيا هاهنا هو أخذ الفداء . والثاني : قوله تعالى :
لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
وأجمعوا على أن المراد بقوله :
أَخَذْتُمْ
ذلك الفداء .
الوجه الرابع : أن النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم وأبا بكر بكيا ، وصرح الرسول صَلَّى اللّه عليه وسلّم أنه إنما بكى لأجل أنه حكم بأخذ الفداء ، وذلك يدل على أنه ذنب .
الوجه الخامس :
أن النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن العذاب قرب نزوله ولو نزل لما نجا منه إلا عمر »
وذلك يدل على الذنب ، فهذه جملة وجوه تمسك القوم بهذه الآية .
والجواب عن الوجه الذي ذكروه أولًا : أن قوله :
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ
يدل على أنه كان الأسر مشروعاً ، ولكن بشرط سبق الأثخان في الأرض ، والمراد بالإثخان هو القتل والتخويف الشديد ، ولا شك أن الصحابة قتلوا يوم بدر خلقاً عظيماً ، وليس من شرط الأثخان في الأرض قتل جميع الناس . ثم إنهم بعد القتل الكثير أسروا جماعة ، والآية تدل على أن بعد الإثخان يجوز الأسر فصارت هذه الآية دالة دلالة بينة على أن ذلك الأسر كان جائزاً بحكم هذه الآية ، فكيف يمكن التمسك بهذه الآية في أن ذلك الأسر كان ذنباً ومعصية ؟ ويتأكد هذا الكلام بقوله تعالى :
حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً
[ محمد : 4 ] .
فإن قالوا : فعلى ما شرحتموه دلت الآية على أن ذلك الأسر كان جائزاً والإتيان بالجائز المشروع لا يليق ترتيب العقاب عليه ، فلم ذكر اللَّه بعده ما يدل على العقاب ؟ فنقول : الوجه فيه أن الإثخان في الأرض ليس مضبوطاً بضابط معلوم معين ، بل المقصود منه إكثار القتل بحيث يوجب وقوع الرعب في قلوب الكافرين ، وأن لا يجترئوا على محاربة المؤمنين ، وبلوغ القتل إلى هذا الحد المعين لا شك أنه يكون مفوضاً إلى الاجتهاد ، فلعله غلب على ظن الرسول عليه الصلاة والسلام أن ذلك القدر من القتل الذي تقدم كفى في حصول هذا المقصود ، مع أنه ما كان الأمر كذلك فكان هذا خطأ واقعاً في الاجتهاد في صورة ليس فيها نص ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين . فحسن ترتيب العقاب على ذكر هذا الكلام لهذا السبب ، مع أن ذلك لا يكون البتة ذنباً ولا معصية .
والجواب عن الوجه الذي ذكروه ثانياً أن نقول : إن ظاهر قوله تعالى :
فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ
أن هذا الخطاب إنما كان مع الصحابة لإجماع المسلمين على أنه عليه الصلاة والسلام ما كان مأموراً أن يباشر قتل الكفار بنفسه ، وإذا كان هذا الخطاب مختصاً بالصحابة ، فهم لما تركوا القتل وأقدموا على الأسر ، كان الذنب صادراً منهم لا من الرسول صَلَّى اللّه عليه وسلّم . ونقل أن الصحابة لما هزموا الكفار وقتلوا منهم جمعاً عظيماً والكفار فروا ذهب الصحابة خلفهم وتباعدوا عن الرسول وأسروا أولئك الأقوام ، ولم يعلم الرسول بإقدامهم على الأسر إلا بعد رجوع الصحابة إلى حضرته ، وهو عليه السلام ما أسر وما أمر بالأسر ، فزال هذا السؤال .
فإن قالوا : هب أن الأمر كذلك ، لكنهم لما حملوا الأسارى إلى حضرته فلم لم يأمر بقتلهم امتثالًا لقوله تعالى :
فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ
.