تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
أما قوله تعالى :
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
فالمعنى فوض الأمر فيما عقدته معهم إلى اللَّه ليكون عوناً لك على السلامة ، ولكي ينصرك عليهم إذا نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء ، ولذلك قال :
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
تنبيهاً بذلك على الزجر عن نقض الصلح ، لأنه عالم بما يضمره العباد ، وسامع لما / يقولون . قال مجاهد الآية نزلت في قريظة والنضير . وورودها فيهم لا يمنع من إجرائها على ظاهر عمومها . واللَّه أعلم .

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 62 إلى 63 ]

وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ( 62 ) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 63 ) [ في قوله تعالى
وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ
] اعلم أنه تعالى لما أمر في الآية المتقدمة بالصلح ، ذكر في هذه الآية حكماً من أحكام الصلح وهو أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة ، وجب قبول ذلك الصلح ، لأن الحكم يبنى على الظاهر لأن الصلح لا يكون أقوى حالًا من الإيمان ، فلما بنينا أمر الإيمان عن الظاهر لا على الباطن ، فههنا أولى ولذلك قال :
وَإِنْ يُرِيدُوا
المراد من تقدم ذكره في قوله :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ
. فإن قيل : أليس قال :
وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ
أي أظهر نقض ذلك العهد ، وهذا يناقض ما ذكره في هذه الآية ؟ قلنا : قوله :
وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً
محمول على ما إذا تأكد ذلك الخوف بأمارات قوية دالة عليها ، وتحمل هذه المخادعة على ما إذا حصل في قلوبهم نوع نفاق وتزوير ، إلا أنه لم تظهر أمارات تدل على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة ، بل كان الظاهر من أحوالهم الثبات على المسألة وترك المنازعة ، ثم إنه تعالى لما ذكر ذلك . قال :
فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ
أي فاللَّه يكفيك ، وهو حسبك وسواء قولك هذا يكفيني ، وهذا حسبي . هو الذي أيدك بنصره . قال المفسرون : يرد قواك وأعانك بنصره يوم بدر ، وأقول هذا التقييد خطأ لأن أمر النبي عليه السلام من أول حياته إلى آخر وقت وفاته ، ساعة فساعة . كان أمراً إلهياً وتدبيراً علوياً ، وما كان لكسب الخلق فيه مدخل ، ثم قال :
وَبِالْمُؤْمِنِينَ
قال ابن عباس : يعني الأنصار . فإن قيل : لما قال :
هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ
فأي حاجة مع نصره إلى المؤمنين ، حتى قال :
وَبِالْمُؤْمِنِينَ
. قلنا : التأييد ليس إلا من اللَّه لكنه على قسمين : أحدهما : ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة . والثاني : ما يحصل بواسطة أسباب معلومة معتادة . فالأول : هو المراد من قوله أيدك بنصره ، والثاني : هو المراد من قوله :
وَبِالْمُؤْمِنِينَ
ثم إنه تعالى بين أنه كيف أيده بالمؤمنين . فقال :
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ
وفيه مسائل : المسألة الأولى : أن النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم بعث إلى قوم أنفتهم شديدة وحميتهم عظيمة حتى لو لطم رجل من قبيلة لطمة قاتل عنه قبيلته حتى يدركوا ثأره ، ثم إنهم انقلبوا عن تلك الحالة حتى قاتل الرجل أخاه وأباه وابنه ، واتفقوا على الطاعة وصاروا أنصاراً ، وعادوا أعواناً . وقيل هم الأوس والخزرج ، فإن الخصومة كانت بينهم