وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
[ الأنعام : 28 ] فأخبر عن المعدوم أنه لو كان موجوداً كيف يكون حاله .
[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 24 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 24 )
في الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال أبو عبيد والزجاج
اسْتَجِيبُوا
معناه أجيبوا وأنشد قول الشاعر :
فلم يستجبه عند ذاك مجيب
المسألة الثانية : أكثر الفقهاء على أن ظاهر الأمر للوجوب ، وتمسكوا بهذه الآية على صحة قولهم من وجهين :
الوجه الأول : أن كل من أمره اللَّه بفعل فقد دعاه إلى ذلك الفعل وهذه الآية تدل على أنه لا بد من الإجابة في كل ما دعاه اللَّه إليه .
فإن قيل : قوله :
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ
أمر . فلم قلتم : إنه يدل على الوجوب ؟ وهل النزاع إلا فيه ، فيرجع حاصل هذا الكلام إلى إثبات أن الأمر للوجوب بناء على أن هذا الأمر يفيد الوجوب ، وهو يقتضي إثبات الشيء بنفسه وهو محال .
والجواب : أن من المعلوم بالضرورة أن كل ما أمر اللَّه به فهو مرغب فيه مندوب إليه ، فلو حملنا قوله :
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ
على هذا المعنى كان هذا جارياً مجرى إيضاح الواضحات وأنه عبث ، فوجب حمله على فائدة زائدة ، وهي الوجوب صوناً لهذا النص عن التعطيل ، ويتأكد هذا بأن قوله تعالى بعد ذلك
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
جار مجرى التهديد والوعيد ، وذلك لا يليق إلا بالإيجاب .
الوجه الثاني : في الاستدلال بهذه الآية على ثبوت هذا المطلوب . ما
روى أبو هريرة رضي اللَّه عنه أن النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم مر على باب أبي بن كعب فناداه وهو في الصلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال : « ما منعك عن إجابتي » قال كنت أصلي قال : « ألم تخبر فيما أوحي إلي استجيبوا للَّه وللرسول » فقال : لا جرم لا تدعوني إلا أجيبك ،
والاستدلال به أن النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم لما دعاه فلم يجبه لامه على ترك الإجابة ، وتمسك في تقرير ذلك اللوم بهذه الآية فلولا دلالة هذه الآية على الوجوب ، وإلا لما صح ذلك الاستدلال وقول من يقول مسألة أن الأمر يفيد الوجوب ، مسألة قطعية ، فلا يجوز التمسك فيها بخبر الواحد ضعيف ، لأنا لا نسلم أن مسألة الأمر يفيد الوجوب مسألة قطعية ، بل هي عندنا مسألة ظنية ، لأن المقصود منها العمل ، والدلائل الظنية كافية في المطالب العملية .
فإن قالوا : إنه تعالى ما أمر بالإجابة على الإطلاق بل بشرط خاص وهو قوله :
إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
فلم قلتم إن هذا الشرط حاصل في جميع الأوامر ؟
قلنا : قصة أبي بن كعب تدل على أن هذا الحكم عام وغير مخصوص بشرط معين ، وأيضاً فلا يمكن حمل الحياة هاهنا على نفس الحياة . لأن إحياء الحي محال . فوجب حمله على شيء آخر وهو الفوز / بالثواب ، وكل