تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
عام فيتناول جميع الصور ، أقصى ما في الباب أنه نزل في واقعة بدر ، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . المسألة الرابعة : اختلفوا في أن جواز التحيز إلى فئة هل يحظر إذا كان العسكر عظيماً أو إنما يثبت إذا كان في العسكر خفة ؟ قال بعضهم : إذا عظم العسكر فليس لهم هذا التحيز . وقال بعضهم : بل الكل سواء ، وهذا أليق بالظاهر لأنه لم يفصل .

[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 17 ]

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 17 ) فيه مسائل : المسألة الأولى : قال مجاهد : اختلفوا يوم بدر . فقال : هذا أنا قتلت . وقال الآخر أنا قتلت فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية يعني أن هذه الكسرة الكبيرة لم تحصل منكم ، وإنما حصلت بمعونة اللَّه روي أنه لما طلعت قريش قال رسول اللَّه صَلَّى اللّه عليه وسلّم هذه قريش ، قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك « اللهم إني أسألك ما وعدتني » فنزل جبريل وقال : خذ قبضة من تراب فارمهم بها ، فلما التقى الجمعان قال لعلي أعطني قبضة من التراب من حصباء الوادي ، فرمى بها في وجوههم ، وقال شاهت الوجوه ، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا . قال صاحب « الكشاف » والفاء في قوله :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ
جواب شرط محذوف تقديره إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن اللَّه قتلهم . ثم قال :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
يعني أن القبضة من الحصباء التي رميتها ، فأنت ما رميتها في الحقيقة ، لأن رميك لا يبلغ أثره إلا ما يبلغه رمي سائر البشر ، ولكن اللَّه رماها حيث نفذ أجزاء ذلك التراب وأوصلها إلى عيونهم ، فصورة الرمية صدرت من الرسول عليه الصلاة والسلام وأثرها إنما صدر من اللَّه ، فلهذا المعنى صح فيه النفي والإثبات . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة للَّه عالي ، وجه الاستدلال أنه تعالى قال :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ
ومن المعلوم أنهم جرحوا ، فدل هذا على أن حدوث تلك الأفعال إنما حصل من اللَّه . وأيضاً قوله :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ
أثبت كونه عليه السلام رامياً ، ونفى عنه كونه رامياً ، فوجب حمله على أنه رماه كسباً وما رماه خلقاً . فإن قيل : أما قوله :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ
فيه وجوه : الأول : أن قتل الكفار إنما تيسر بمعونة اللَّه ونصره وتأييده ، فصحت هذه الإضافة . الثاني : أن الجرح كان إليهم ، وإخراج الروح كان إلى اللَّه تعالى ، والتقدير : فلم تميتوهم ولكن اللَّه أماتهم . وأما قوله :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
قال القاضي فيه أشياء : منها أن الرمية الواحدة لا توجب وصول التراب إلى عيونهم ، وكان إيصال أجزاء التراب إلى عيونهم ليس إلا بإيصال اللَّه تعالى ، ومنها أن التراب الذي رماه كان قليلًا ، فيمتنع وصول ذلك القدر إلى عيون الكل ، فدل هذا على أنه تعالى ضم إليها أشياء أخر من أجزاء التراب وأوصلها إلى عيونهم ، ومنها أن عند رميته ألقى اللَّه تعالى الرعب في قلوبهم ، فكان المراد
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 466 | فخر الدين الرازي