تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
مستحسن ، فقوله سبحانه :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
يجرى مجرى الدليل القاطع على أنه يحسن من اللّه تعالى أن يأمر عباده بما شاء كيف شاء . المسألة التاسعة : دلت الآية على أنه يحسن من اللّه تعالى أن يأمر عباده بما شاء بمجرد كونه خالقا لهم لا كما يقوله المعتزلة من كون ذلك الفعل صلاحا ، ولا كما يقولونه أيضا من حيث العوض والثواب ، لأنه تعالى ذكر أن الخلق له أولا ، ثم ذكر الأمر بعده ، وذلك يدل على أن حسن الأمر معلل بكونه خالقا لهم موجدا لهم ، وإذا كانت العلة في حسن الأمر والتكليف ، هذا القدر سقط اعتبار الحسن ، والقبح ، والثواب ، والعقاب في اعتبار حسن الأمر والتكليف . المسألة العاشرة : دلت هذه الآية على أنه تعالى متكلم آمر ناه مخبر مستخبر ، وكان من حق هذه المسألة تقدمها على سائر المسائل ، إلا أنها إنما خطرت بالبال في هذا الوقت ، والدليل عليه قوله تعالى :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
فدل ذلك على أن له الأمر ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون له النهى ، والخبر ، والاستخبار ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق . المسألة الحادية عشرة : أنه تعالى بين كونه تعالى خالقا للسموات ، والأرض ، والشمس ، والقمر ، والنجوم . ثم قال :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
أي لا خالق إلا هو . ولقائل أن يقول : لا يلزم من كونه تعالى خالقا لهذه الأشياء أن يقال : لا خالق على الإطلاق إلا هو ، فلم رتب على إثبات كونه خالق لتلك الأشياء إثبات أنه لا خالق إلا هو على الإطلاق ؟ / فنقول : الحق أنه متى ثبت كونه تعالى خالقا لبعض الأشياء ، وجب كونه خالقا لكل الممكنات ، وتقريره : أن افتقار المخلوق إلى الخالق لإمكانه ، والإمكان واحد في كل الممكنات ، وهذا الإمكان إما أن يكون علة للحاجة إلى مؤثر متعين ، أو إلى مؤثر غير متعين والثاني باطل ، لأن كل ما كان موجودا في الخارج ، فهو متعين في نفسه ، فيلزم منه أن ما لا يكون متعينا في نفسه لم يكن موجودا في الخارج وما لا وجود له في الخارج امتنع أن يكون علة لوجود غيره في الخارج ، فثبت أن الإمكان علة للحاجة إلى موجد ومعين ، فوجب أن يكون جميع الممكنات محتاجا إلى ذلك المعين فثبت أن الذي يكون مؤثرا في وجود شيء واحد ، هو المؤثر في وجود كل الممكنات . أما قوله تعالى :
تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
فاعلم أنه سبحانه لما بين كونه خالقا للسموات ، والأرض ، والعرش ، والليل ، والنهار ، والشمس ، والقمر ، والنجوم وبين كون الكل مسخرا في قدرته وقهره ومشيئته ، وبين أن له الحكم والأمر والنهى والتكليف ، بين أنه يستحق الثناء والتقديس والتنزيه ، فقال :
تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
وقد تقدم تفسير ( تبارك ) فلا نعيده . واعلم أنه تعالى بدا في أول الآية : رب السماوات والأرضين ، وسائر الأشياء المذكورة ، ثم ختم الآية بقوله :
تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
والعالم كل موجود سوى اللّه تعالى ، فبين كونه ربا وإلها وموجودا ومحدثا لكل ما سواه ، ومع كونه كذلك فهو رب ومرب ومحسن ، ومتفضل ، وهذا آخر الكلام في شرح هذه الآية .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 55 إلى 56 ]

ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 55 ) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 )