تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
[ في قوله تعالى
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ
إلى قوله
كافِرُونَ
] اعلم انا ذكرنا ان الملا عبارة عن القوم الذين تمتلئ القلوب من هيبتهم ، ومعنى الآية قال الملا وهم الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا ، يريد المساكين الذين آمنوا به ، وقوله :
لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ
بدل من قوله :
لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا
لأنهم المؤمنون . واعلم أنه وصف أولئك الكفار بكونهم مستكبرين ، ووصف أولئك المؤمنين بكونهم مستضعفين ، وكونهم مستكبرين فعل استوجبوا به الذم ، وكون المؤمنين مستضعفين معناه : ان غيرهم يستضعفهم ويستحقرهم ، وهذا ليس فعلا صادرا عنهم بل عن غيرهم ، فهو لا يكون صفة ذم حقهم ، بل الذم عائد إلى الذين يستحقرونهم ويستضعفونهم . ثم حكى تعالى ان هؤلاء المستكبرين سألوا المستضعفين عن حال صالح فقال المتضعفون نحن موقنون مصدقون بما جاء به صالح . وقال المستكبرون : بل نحن كافرون بما جاء به صالح ، وهذه الآية من أعظم ما يحتج به في بيان ان الفقر خير من الغنى ، وذلك لان الاستكبار انما يتولد من كثرة المال والجاه ، والاستضعاف انما يحصل من قلتهما ، فبين تعالى ان كثرة المال والجاه حملهم على التمرد ، والآباء ، والإنكار ، والكفر ، وقلة المال والجاه حملهم على الايمان ، والتصديق والانقياد ، وذلك يدل على أن الفقر خير من الغنى . ثم قال تعالى :
فَعَقَرُوا النَّاقَةَ
قال الأزهري : العقر عند العرب ، كشف عرقوب البعير ، ولما كان العقر سببا للنحر اطلق العقر على النحر إطلاقا لاسم السبب على المسبب . واعلم أنه أسند العقر إلى جميعهم ، لأنه كان برضاهم مع أنه ما باشره الا بعضهم ، وقد يقال للقبيلة العظيمة : أنتم فعلتم كذا مع أنه ما فعله الا واحد منهم . ثم قال :
وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ
يقال : عتا يعتو عتوا ، إذا استكبر . ومنه يقال : جبار عات قال مجاهد : العتو الغلو في الباطل وفي قوله :
عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ
وجهان : الأول : معناه استكبروا عن امتثال امر ربهم وذلك الأمر هو الذي أوصله اللّه إليهم على لسان صالح عليه السلام وهو قوله :
فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ
[ الأعراف : 73 ] الثاني : ان يكون المعنى وصدر عتوهم عن امر ربهم ، فكان امر ربهم بتركها صار سببا في اقدامهم على ذلك العتو ، كما يقال : الممنوع متبوع
وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
وانما قالوا ذلك ، لأنهم كانوا مكذبين له في كل ما اخبر عنه من الوعد والوعيد . ثم قال تعالى :
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
قال الفراء والزجاج : هي الزلزلة الشديدة . قال تعالى :
يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا
[ المزمل : 14 ] قال الليث : يقال رجف الشيء يرجف رجفا ورجفانا كرجفان البعير تحت الرحل ، وكما يرجف الشجر إذا ارجفته الريح . ثم قال :
فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ
يعنى في بلدهم ولذلك وحد الدار كما يقول : دار الحرب ومررت بدار البزازين ، وجمع في آية أخرى فقال :
فِي دِيارِهِمْ
[ هود : 94 ] لأنه أراد بالدار ما لكل واحد منهم من منزله الخاص به . وقوله :
جاثِمِينَ
قال أبو عبيدة : الجثوم للناس والطير ، بمنزلة البروك للإبل ،