فيسيل الماء على السحاب ثم يمطر السحاب بعد ذلك ورحمته هو المطر .
إذا عرفت هذا فنقول : اختلاف الرياح في الصفات المذكورة مع أن طبيعة الهواء واحدة وتأثيرات الطبائع والأنجم والأفلاك واحدة يدل على أن هذه الأحوال لم تحصل الا بتدبير الفاعل المختار سبحانه وتعالى .
ثم قال تعالى :
سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ
والمعنى انا نسوق ذلك السحاب إلى بلد ميت لم ينزل فيه غيث ولم ينبت فيه خضرة .
فان قيل : السحاب ان كان مذكرا يجب ان يقول : حتى إذا أقلت سحابا ثقيلا وان كان مؤنثا يجب ان يقول سقناه فكيف التوفيق ؟ ! والجواب : ان السحاب لفظه مذكر وهو جمع سحابة فكان ورود الكناية عنه على سبيل التذكير جائزا نظرا إلى اللفظ وعلى سبيل التأنيث أيضا جائزا ، نظرا إلى كونه جمعا اما « اللام » في قوله :
سُقْناهُ لِبَلَدٍ
ففيه قولان : قال بعضهم هذه « اللام » بمعنى إلى يقال هديته للدين وإلى الدين . وقال آخرون : هذه « اللام » بمعنى من أجل والتقدير سقناه لأجل بلد ميت ليس فيه حيا يسقيه . واما البلد فكل موضع من الأرض عامر أو غير عامر خال أو مسكون فهو بلد والطائفة منه بلدة والجميع البلاد والفلاة تسمى بلدة قال الأعشى :
وبلدة مثل ظهر الترس موحشة * للجن بالليل في حافاتها زجل
ثم قال تعالى :
فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ
اختلفوا في أن الضمير في قوله :
بِهِ
إلى ماذا يعود ؟ قال الزجاج وابن الأنباري : جائز ان يكون فأنزلنا بالبلد الماء وجائز ان يكون فأنزلنا بالسحاب الماء لان السحاب آلة لإنزال الماء .
ثم قال :
فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
الكناية عائدة إلى الماء لان إخراج الثمرات كان بالماء . قال الزجاج : وجائز ان يكون التقدير فأخرجنا بالبلد من كل الثمرات لان البلد ليس يخص به هنا بلد دون بلد وعلى القول الأول فاللَّه تعالى انما يخلق الثمرات بواسطة الماء . وقال أكثر المتكلمين : ان الثمار غير متولدة من الماء بل اللّه تعالى اجرى عادته بخلق النبات ابتداء عقيب اختلاط الماء بالتراب وقال جمهور الحكماء :
لا يمتنع ان يقال إنه تعالى أودع في الماء قوة طبيعية ثم إن تلك القوة الطبيعية توجب حدوث الأحوال المخصوصة عند امتزاج / الماء بالتراب وحدوث الطبائع المخصوصة . والمتكلمون احتجوا على فساد هذا القول بان طبيعة الماء والتراب واحدة . ثم انا نرى انه يتولد في النبات الواحد أحوال مختلفة مثل العنب فان قشره بارد يابس ولحمه وماؤه حار رطب ، وعجمه بارد يابس ، فتولد الأجسام الموصوفة بالصفات المختلفة من الماء والتراب يدل على أنها انما حدثت باحداث الفاعل المختار لا بالطبع والخاصة .
ثم قال تعالى :
كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى
وفيه قولان : الأول : ان المراد هو انه تعالى كما يخلق النبات بواسطة إنزال الأمطار فكذلك يحيي الموتى بواسطة مطر ينزله على تلك الأجسام الرميمة .
وروى أنه تعالى يمطر على أجساد الموتى فيما بين النفختين مطار كالمنى أربعين يوما وانهم ينبتون عند ذلك ويصيرون احياء .
قال مجاهد : إذا أراد اللّه ان يبعثهم أمطر السماء عليهم حتى تنشق عنهم الأرض كما ينشق الشجر عن النور