إذا ثبت هذا فنقول : إن مدلول هذه الآية من هذا الوجه متأكد بعموم قوله :
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
[ المائدة : 1 ] وبعموم قوله تعالى :
لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
[ الصف : 2 ، 3 ] وتحت قوله :
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ *
[ المؤمنون : 8 المعارج : 32 ] وتحت سائر العمومات الواردة في وجوب الوفاء بالعهود والعقود .
إذا ثبت هذا فنقول : إن وجدنا نصا دالا على أن بعض العقود التي وقع التراضي به من الجانبين غير صحيح ، قضينا فيه بالبطلان تقديما للخاص على العام ، وإلا حكمنا فيه بالصحة رعاية لمدلول هذه العمومات .
وبهذا الطريق البين الواضح ثبن أن القرآن واف ببيان جميع أحكام الشريعة من أولها إلى آخرها .
ثم قال تعالى :
وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً
وفيه سؤالات :
السؤال الأول : قال في أول الآية :
ادْعُوا رَبَّكُمْ
ثم قال :
وَلا تُفْسِدُوا
ثم قال :
وَادْعُوهُ
وهذا يقتضى عطف الشيء على نفسه وهو باطل .
والجواب : أن الذين قالوا في تفسير قوله :
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً
أي اعبدوه إنما قالوا ذلك خوفا من هذا الإشكال .
فإن قلنا بهذا التفسير فقد زال السؤال ، وإن قلنا المراد من قوله :
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً
هو الدعاء كان الجواب أن قوله :
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
يدل على أن الدعاء لا بد وأن يكون مقرونا بالتضرع وبالإخفاء ، ثم بين في قوله :
وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً
أن فائدة الدعاء هو أحد هذين الأمرين ، فكانت الآية الأولى في بيان شرط صحة الدعاء ، والآية الثانية في بيان فائدة الدعاء ومنفعته .
السؤال الثاني : إن المتكلمين اتفقوا على أن من عبد ودعا لأجل الخوف من العقاب والطمع في الثواب لم تصح عبادته ، وذلك لأن المتكلمين فريقان : منهم من قال التكاليف إنما وردت بمقتضى الإلهية والعبودية ، فكونه إلها لنا وكوننا عبيدا له يقتضى أن يحسن منه أن يأمر عبيده بما شاء كيف شاء ، فلا يعتبر منه كونه في نفسه صلاحا وحسنا ، وهذا قول أهل السنة . ومنهم من قال : التكاليف إنما وردت لكونها في أنفسها مصالح ؛ وهذا هو قول المعتزلة .
إذا عرفت هذا فنقول : أما على القول الأول : فوجه وجوب بعض الأعمال ، وحرمة بعضها مجرد أمر اللّه بما أوجبه ونهيه عما حرمه ، فمن أتى بهذه العبادات صحت . أما من أتى بها خوفا من العقاب ، أو طمعا في الثواب ، وجب أن لا يصح ، لأنه ما أتى بها لأجل وجه وجوبها ، وأما على القول الثاني : فوجه وجوبها هو كونها في أنفسها مصالح ، فمن أتى بها للخوف من العقاب ، أو للطمع في الثواب فلم يأت بها لوجه وجوبها ، فوجب أن لا تصح ، فثبت أن على كلا المذهبين من أتى بالدعاء وسائر العبادات لأجل الخوف من العقاب ، والطمع في الثواب ، وجب أن لا يصح .
إذا ثبت هذا فنقول : ظاهر قوله :
وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً
يقتضى أنه تعالى أمر المكلف بأن يأتي بالدعاء لهذا الغرض ، وقد ثبت بالدليل فساده ، فكيف طريق التوفيق بين ظاهر هذه الآية وبين ما ذكرناه من المعقول .
والجواب : ليس المراد من الآية ما ظننتم ، بل المراد : وادعوه مع الخوف من وقوع التقصير ، في بعض