تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
المسألة السابعة : أنه قال قبل هذه الآية بقليل
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ
[ الأنعام : 101 ] وقال هاهنا
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
وهذا كالتكرار . والجواب من وجوه : الأول : أن قوله :
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ
إشارة إلى الماضي . أما قوله :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
فهو اسم الفاعل ، وهو يتناول الأوقات كلها ، والثاني : وهو التحقيق أنه تعالى ذكر هناك قوله :
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ
ليجعله مقدمة في بيان نفي الأولاد ، وهاهنا ذكر قوله :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
ليجعله مقدمة في بيان أنه لا معبود إلا هو ، والحاصل أن هذه المقدمة مقدمة توجب أحكاما كثيرة ونتائج مختلفة ، فهو تعالى يذكرها مرة بعد مرة ، ليفرع عليها في كل موضع ما يليق بها من النتيجة . المسألة الثامنة : لقائل أن يقول : الإله هو الذي يستحق أن يكون معبودا ، فقوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
معناه لا يستحق العبادة إلا هو ، فما الفائدة في قوله بعد ذلك
فَاعْبُدُوهُ
فإن هذا يوهم التكرير . والجواب : قوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
أي لا يستحق العبادة إلا هو ، وقوله :
فَاعْبُدُوهُ
أي لا تعبدوا غيره . المسألة التاسعة : القوم كانوا معترفين بوجود اللَّه تعالى كما قال :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ *
[ لقمان : 25 ] وما أطلقوا لفظ اللَّه على أحد سوى اللَّه سبحانه ، كما قال تعالى :
هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
[ مريم : 65 ] فقال :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ
أي الشيء الموصوف بالصفات التي تقدم ذكرها هو اللَّه تعالى ، ثم قال بعده :
رَبُّكُمْ
يعني الذي يربيكم ويحسن إليكم بأصناف التربية ووجوه الإحسان ، وهي أقسام بلغت في الكثرة إلى حيث يعجز العقل عن ضبطها ، كما قال :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
[ إبراهيم : 34 ] . ثم قال :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
يعني أنكم لما عرفتم وجود الإله المحسن المتفضل المتكرم فاعلموا أنه لا إله سواه ولا معبود سواه . ثم قال :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
يعني إنما صح قولنا : لا إله سواه ، لأنه لا خالق للخلق سواه ، ولا مدبر للعالم إلا هو . فهذا الترتيب ترتيب مناسب مفيد .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 103 ]

لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 103 ) في هذه الآية مسائل : المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى تجوز رؤيته والمؤمنين يرونه يوم القيامة من وجوه : الأول : في تقرير هذا المطلوب أن نقول : هذه الآية تدل على أنه تعالى تجوز رؤيته . وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة . أما المقام الأول : فتقريره : أنه تعالى تمدح بقوله :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
وذلك مما يساعد الخصم عليه ، وعليه بنوا استدلالهم في إثبات مذهبهم في نفي الرؤية . وإذا ثبت هذا فنقول : لو لم يكن تعالى جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
ألا ترى أن المعدوم لا تصح رؤيته . والعلوم والقدرة والإرادة والروائح والطعوم لا يصح رؤية شيء منها ، ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا تصح رؤيتها ، فثبت أن قوله :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
يفيد المدح ، وثبت أن ذلك
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 97 | فخر الدين الرازي