وجب إسنادها إلى القادر المختار الحكيم الرحيم المدبر لهذا العالم على وفق الرحمة والمصلحة والحكمة .
ولما نبه اللَّه سبحانه على ما في هذا الوجه اللطيف من الدلالة قال :
إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
قال القاضي : المراد لمن يطلب الإيمان باللَّه تعالى ، لأنه آية لمن آمن ولمن لم يؤمن ، ويحتمل أن يكون / وجه تخصيص المؤمنين بالذكر أنهم الذين انتفعوا به دون غيرهم كما تقدم تقريره في قوله
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
.
ولقائل أن يقول : بل المراد منه أن دلالة هذا الدليل على إثبات الإله القادر المختار ظاهرة قوية جلية ، فكأن قائلا قال : لم وقع الاختلاف بين الخلق في هذه المسألة مع وجود مثل هذه الدلالة الجلية الظاهرة القوية ؟
فأجيب عنه بأن قوة الدليل لا تفيد ولا تنفع إلا إذا قدر اللَّه للعبد حصول الإيمان ، فكأنه قيل : هذه الدلالة على قوتها وظهورها دلالة لمن سبق قضاء اللَّه في حقه بالإيمان ، فأما من سبق قضاء اللَّه له بالكفر لم ينتفع بهذه الدلالة البتة أصلا ، فكان المقصود من هذا التخصيص التنبيه على ما ذكرناه . واللَّه أعلم .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 100 ]
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ ( 100 )
في الآية مسائل :
[ في قوله تعالى
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ
] المسألة الأولى : [ أن من الناس من أثبت للَّه شركاء ] اعلم أنه تعالى لما ذكر هذه البراهين الخمسة من دلائل العالم الأسفل والعالم الأعلى على ثبوت الإلهية ، وكمال القدرة والرحمة . ذكر بعد ذلك أن من الناس من أثبت للَّه شركاء ، واعلم أن هذه المسألة قد تقدم ذكرها إلا أن المذكور هاهنا غير ما تقدم ذكره وذلك لأن الذين أثبتوا الشريك للَّه فرق وطوائف .
فالطائفة الأولى : عبدة الأصنام فهم يقولون الأصنام شركاء للَّه في العبودية ، ولكنهم معترفون بأن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخلق والإيجاد والتكوين .
والطائفة الثانية : من المشركين الذين يقولون ، مدبر هذا العالم هو الكواكب ، وهؤلاء فريقان منهم من يقول : إنها واجبة الوجود لذاتها ، ومنهم من يقول : إنها ممكنة الوجود لذواتها محدثة ، وخالقها هو اللَّه تعالى ، إلا أنه سبحانه فوض تدبير هذا العالم الأسفل إليها وهؤلاء هم الذين حكى اللَّه عنهم أن الخليل صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم ناظرهم بقوله :
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
وشرح هذا الدليل قد مضى .
والطائفة الثالثة : من المشركين الذين قالوا لجملة هذا العالم بما فيه من السماوات والأرضين إلهان :
/ أحدهما فاعل الخير . والثاني فاعل الشر ، والمقصود من هذه الآية حكاية مذهب هؤلاء فهذا تقرير نظم الآية والتنبيه على ما فيها من الفوائد . فروى عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قال قوله تعالى :
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ
نزلت في الزنادقة الذين قالوا إن اللَّه وإبليس أخوان فاللَّه تعالى خالق الناس والدواب والأنعام والخيرات ، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب والشرور .
واعلم أن هذا القول الذي ذكره ابن عباس أحسن الوجوه المذكورة في هذه الآية وذلك لأن بهذا الوجه يحصل لهذه الآية مزيد فائدة مغايرة لما سبق ذكره في الآيات المتقدمة ، قال ابن عباس : والذي يقوي هذا الوجه قوله تعالى :
وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً
[ الصافات : 158 ] وإنما وصف بكونه من الجن لأن لفظ الجن مشتق من الاستتار ، والملائكة والروحانيون لا يرون بالعيون فصارت كأنها مستترة من العيون ، فبهذا التأويل