تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
يموت ، فلما تناوله وظن القوم أنه سيموت في الحال رفعوه من موضعه ووضعوه في بيت مظلم فخرجت حية عظيمة فلدغته فصارت تلك اللدغة سببا لاندفاع ضرر ذلك الأفيون منه ، فإن الأفيون يقتل بقوة برده ، وسم الأفعى يقتل بقوة حره فصارت تلك اللدغة سببا لاندفاع ضرر الأفيون ، فههنا تولد عما يعتقد فيه كونه أعظم تدل على أن لهذا العالم مدبرا حكيما ما أهمل مصالح الخلق وما تركهم سدى ، وتحت هذه المباحث مباحث عالية شريفة . البحث الثاني : من مباحث هذه الآية قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم
الْمَيِّتِ
مشددة في الكلمتين والباقون بالتخفيف في الكلمتين ، وكذلك كل هذا الجنس في القرآن . البحث الثالث : أن لقائل أن يقول : إنه قال أولا :
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
ثم قال :
وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ
وعطف الاسم على الفعل قبيح ، فما السبب في اختيار ذلك ؟ قلنا : قوله :
وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ
معطوف على قوله :
فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى
وقوله :
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
كالبيان والتفسير لقوله :
فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى
لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر النامي من جنس إخراج الحي من الميت ، لأن النامي في حكم الحيوان . ألا ترى إلى قوله
وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
وفيه وجه آخر ، وهو أن لفظ الفعل يدل على أن ذلك الفاعل يعتني بذلك الفعل في كل حين وأوان . وأما لفظ الاسم فإنه لا يفيد التجدد والاعتناء به ساعة فساعة ، وضرب الشيخ عبد القاهر الجرجاني لهذا مثلا في كتاب « دلائل الإعجاز » فقال : قوله :
هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ
إنما ذكره بلفظ الفعل وهو قوله :
يَرْزُقُكُمْ
لأن صيغة الفعل تفيد أنه تعالى يرزقهم حالا فحالا وساعة فساعة . وأما الاسم فمثاله قوله تعالى :
وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ
[ الكهف : 18 ] فقوله :
باسِطٌ
يفيد البقاء على تلك الحالة الواحدة . إذا ثبت هذا فنقول : الحي أشرف من الميت ، فوجب أن يكون الاعتناء بإخراج الحي من الميت أكثر من الاعتناء بإخراج الميت من الحي ، فلهذا المعنى وقع التعبير عن القسم الأول بصيغة الفعل ، وعن الثاني بصيغة الاسم ، تنبيها على أن الاعتناء بإيجاد الحي من الميت أكثر وأكمل من الاعتناء بإيجاد الميت من الحي . واللَّه أعلم بمراده . ثم قال تعالى في آخر الآية :
ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال بعضهم معناه : ذلكم اللَّه المدبر الخالق النافع الضار المحيي المميت
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
في إثبات القول بعبادة الأصنام ، والثاني : أن المراد أنكم لما شاهدتم أنه تعالى يخرج الحي من الميت ، ومخرج الميت من الحي ، ثم شاهدتم أنه أخرج البدن الحي من النطفة الميتة مرة واحدة ، فكيف تستبعدون أن يخرج البدن الحي من ميت التراب الرميم مرة أخرى ؟ والمقصود الإنكار على تكذيبهم بالحشر والنشر وأيضا الضدان متساويان في النسبة فكما لا يمتنع الانقلاب من أحد الضدين إلى الآخر ، وجب أن لا يمتنع الانقلاب من الثاني إلى الأول ، فكما لا يمتنع حصول الموت بعد الحياة . وجب أيضا أن لا يمتنع حصول الحياة بعد الموت ، وعلى كلا التقديرين فيخرج منه جواز القول بالبعث والحشر والنشر .