ويونس ، ولوط . فإذا اعتبرنا هذا الوجه الذي راعيناه ظهر أن الترتيب حاصل في ذكر هؤلاء الأنبياء عليهم السلام بحسب هذا الوجه الذي شرحناه .
المسألة الثانية : قال تعالى :
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا
اختلفوا في أنه تعالى إلى ما ذا هداهم ؟ وكذا الكلام في قوله :
وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ
وكذا قوله في آخر الآية :
ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
.
قال بعض المحققين : المراد من هذه الهداية الثواب العظيم ، وهي الهداية إلى طريق الجنة ، وذلك لأنه تعالى لما ذكر هذه الهداية قال بعدها :
وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
وذلك يدل على أن تلك الهداية كانت جزاء المحسنين على إحسانهم وجزاء المحسن على إحسانه لا يكون إلا الثواب ، فثبت أن المراد من هذه الهداية هو الهداية إلى الجنة . فأما الإرشاد إلى الدين وتحصيل المعرفة في قلبه ، فإنه لا يكون جزاء له على عمله ، وأيضا لا يبعد أن يقال : المراد من هذه الهداية هو الهداية إلى الدين والمعرفة ، وإنما ذلك كان جزاء على الإحسان الصادر منهم ، لأنهم اجتهدوا في طلب الحق ، فاللَّه تعالى جازاهم على حسن طلبهم بإيصالهم إلى الحق ، كما قال :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[ العنكبوت : 69 ] .
والقول الثالث : أن المراد من هذه الهداية : الإرشاد إلى النبوة والرسالة ، لأن الهداية المخصوصة بالأنبياء ليست إلا ذلك .
فإن قالوا : لو كان الأمر كذلك لكان قوله :
وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
يقتضي أن تكون الرسالة جزاء على عمل ، وذلك عندكم باطل .
قلنا : يحمل قوله :
وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
على الجزاء الذي هو الثواب والكرامة ، فيزول الإشكال . واللَّه أعلم .
المسألة الثالثة : احتج القائلون بأن الأنبياء عليهم السلام أفضل من الملائكة بقوله تعالى بعد ذكر هؤلاء عليهم السلام :
وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ
وذلك لأن العالم اسم لكل موجود سوى اللَّه تعالى ، فيدخل في لفظ العالم الملائكة ، فقوله تعالى :
وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ
يقتضي كونهم أفضل من كل العالمين . وذلك يقتضي كونهم أفضل من الملائكة ، ومن الأحكام المستنبطة من هذه الآية : أن الأنبياء عليهم السلام يجب أن يكونوا أفضل من كل الأولياء ، لأن عموم قوله تعالى :
وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ
يوجب ذلك . قال بعضهم :
وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ
معناه فضلناه على عالمي زمانهم . قال القاضي : ويمكن أن يقال المراد : وكلّا من الأنبياء يفضلون على كل من سواهم من العالمين . ثم الكلام بعد ذلك في أن أي الأنبياء أفضل من بعض ، كلام واقع في نوع آخر لا تعلق به بالأول واللَّه أعلم .
المسألة الرابعة : قرأ حمزة والكسائي والليسع بتشديد اللام وسكون الياء ، والباقون
وَالْيَسَعَ
بلام واحدة . قال الزجاج : يقال فيه الليسع واليسع بتشديد اللام وتخفيفها .
المسألة الخامسة : الآية تدل على أن الحسن والحسين من ذرية رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم ، لأن اللَّه تعالى جعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أنه لا ينتسب إلى إبراهيم إلا بالأم ، فكذلك الحسن والحسين من ذرية رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم ، وإن